كنت أعتقد بأننا نحن العرب فقط نُسيِّر عقولنا بقلبنا وليس العكس، خاصة وأن كثيرًا من المواقف والقرارات على صعيد الأفراد والمؤسسات في منطقتنا العربية تُبنى على الارتجال والعاطفة والحالة النفسية التي يمر بها الشخص، لذلك تجد معظمنا سريع التأثر سهل الانقياد والتوجيه، وتجد أن خطبة رنانة عصماء تجمع شعوبنا، وعصًا غليظة تفرقهم.


يكاد يكون تاريخنا العربي مبني بكامله على قصص العنفوان والمجد الشخصي والأخذ بالثأر، مثل قصة الشاعر الجاهلي عمرو بن كلثوم الذي قتل ملك الحيرة آنذاك عمرو بن هند؛ لأن أم الملك طلبت من أم الشاعر أن تناولها شيئًا، أي أن تخدمها، وقـــال في ذلك معلقته الشهيرة «إذا بلغ الفطام لنا صبي تخر له الجبابر ساجدينا».


نقلب صفحات التاريخ سريعًا لنصل إلى خمسينيات القرن الماضي عندما بدأ الضباط في دول مثل مصر واليمن وسوريا وليبيا وغيرها يقفزون إلى سدة الحكم بدعوة التحرر والتحرير والقضاء على الإمبريالية والرجعية والاستعمار وبعث الأمة العربية من جديد، وكانت الجماهير الغفيرة تصفق لهم وتهتف بحياتهم وبالروح والدم تفديهم، لنكتشف بمرور الوقت أننا خسرنا حريتنا ولم نحرر أرضنا، وأن الملكية والبرجوازية في تلك الدول ربما كانت أرحم وأفضل من القابضين الجدد على السلطة.


وعندما انطلقت شرارة الثورات في المنطقة العربية أخذتنا العاطفة أيضًا، وبدأت الملايين تحتشد في شوارع تونس ومصر وغيرها، واعتقدنا أن الأمة دخلت مخاض ميلادها الجديد التليد، فحشدت صفحات مثل «كلنا خالد سعيد» على فيسبوك في مصر أكثر من عشرين مليون متابع في غضون أيام، وعملت قنوات إعلامية على سكب الزيت على النار، وانبرى محللون يصرخون يدغدغون أحلامنا ومشارعنا، ويخبروننا أن «النصر صبر ساعة»، ولا داعي لأن أسهب في الحديث عن النتائج الكارثية لتلك الثورات، والتي ضحكوا علينا أو ضحكنا على أنفسنا عندما تداولنا اسمها تحت عنوان «الربيع العربي».


أتحدّث هنا عن تاريخ المنطقة ككل وحاضرها، وكيف تقاد الجماهير والشعوب بالعاطفة، فالأمر لا يقتصر علينا نحن العرب، وإذا نظرنا إلى إيران مثلاً نجد أن قادتها من الملالي وصلوا إلى الحكم أصلاً عن طريق العاطفة وليس العقل، وسيطروا على عقول الايرانيين ودفعوهم إلى الشوارع لإسقاط الشاه، ولا زالوا بعد كل تلك السنوات يستخدمون أدوات السيطرة نفسها.


لننظر مثلاً إلى البرنامج النووي الإيراني. لماذا يصر قادة إيران على هذا البرنامج الذي بات الشغل الشاغل للمنطقة وربما العالم؟ هل ستقضي إيران على إسرائيل بالقنبلة النووية مثلاً؟ هل ستواجه بها «الشيطان الأكبر»؟ هل سترميها على جيرانها في المنطقة؟ بالطبع لا، وإنما الدهاة من قادة إيران، بعقولهم لا بعاطفتهم، يدركون تمامًا أن هذا البرنامج دعائي، ويضمن بقائهم ممسكين بزمام السلطة، ومسيطرين على عقول شعبهم من خلال حقن مشاعر العنفوان والعزة في دمائهم، بدل تحمل عناء تغذية أمعائهم الخاوية.


أكتب كل ذلك لأصل للقول إني تفاجأت كثيرًا خلال إجازتي الأخيرة في أوروبا، أن الأوربيين أنفسهم باتوا لا يختلفون كثيرًا عنا نحن العرب، وعن الإيرانيين، وباقي شعوب العاطفة لا العقل، فقد غابت الحكمة والتفكير بعيد النظر عن دوائر صنع القرار الأوربي، ولأعوام طويلة كنا مطمئنين إلى أن الكوكب بأيدي أمينة طالما هناك من يفكر عنا ويخطط لنا مستقبلنا على النحو الأمثل، لكني اكتشفت، من خلال تجربتي الشخصية طبعًا، أن الأمر ليس كذلك على الإطلاق.


تفاجأت أن رأيت أوروبا اليوم كلها تفكر بنفس الطريقة، استحضرت الغرور والتفوق الأوروبي، وتجاهلت مصالح الشعوب، وتنسى بأن الناس ستدخل إلى المجاعة والحاجة حتى أصبحت التضخم في بعد البلدان يزيد عن 28 %
كلنا نعلم أن أوروبا ليست مستعدة ولا تريد ولن تستطيع أصلاً أن تحتل أو تقهر روسيا، لكن العنفوان أعماها عن الحقائق.

على الطرف الآخر، هناك الكثير من المبررات العقلية والمقبولة للحرب الروسية على أوكرانيا، خاصة بعد أن أصبح مسدس الناتو مصوبًا على رأس موسكو مباشرة، والكل يعرف أن الأمن القومي للدول يتعدى حدودها إلى محطيها الأبعد، فكيف إذا كان التهديد يتم عبر صواريخ عابرة للقارات؟


لكن الحرب الروسية على أوكرانيا لا تخلو أيضا من دوافع تعتمد أساسًا على العاطفة والعنفوان والأمجاد الشخصية، فلا يمكن للروس، شعوباً وقيادات، أن ينسوا مجد امبراطورياتهم السابقة أيام القياصرة، أو أن ينسوا أنهم هم من ضحوا وربحوا الحرب العالمية الثانية وليس الولايات المتحدة الأميركية أو أوروبا، وأن أنهم كانوا دولة واحدة تسمى الاتحاد السوفيتي وتشغل مساحتها سُدس مساحة العالم قبل أن يعلن وفاتها ميخائيل غورباتشوف، آخر رئيس للاتحاد السوفيتي والذي توفي هو أيضا الأسبوع الماضي.

العاطفة تحرك الشعب الأميركي أيضًا. لقد درست هناك وأعرف أن الأميركيين بالمجمل يعيشون حياةً مادية تدور حول جمع المال، ولا يهتم كثيرًا للأمور السياسية، ولا يكترث بما يجري خارج حدود بلاده، بل ربما خارج حدود ولايته أو مدينته، لكنه لا يعرف الوقت ذاته الآن لماذا زادت معاناته المادية، ولماذا تأثرت رفاهيته سلبًا بعد الحرب الروسية في أوكرانيا، والتي تعتبر الولايات المتحدة سببًا ومحركًا أساسيًا لها.

واعتقد أن هذا الأمر حاسم في الانتخابات النصفية القادمة.
لا أعرف أين ذهب المفكرون الأميركيون ذوي الرؤية الحكيمة والنظرة الثاقبة. لقد أعلنها هنري كيسنجر صراحة عندما قال: أوقفوا هذه الحرب اللعينة واذهبوا إلى الصلح وراضوا روسيا بجزء من أوكرانيا؛ لأنه يعلم أنه الكلفة باهظة، وهو على حق، خاصة ونحن نرى أن التضخم وصل في بعض الدول الأوروبية لمستويات غير مسبوقة، وأن الناس بدأت بالتظاهر، وحرق فواتير الكهرباء والغاز، والجميع يخشى من شتاء قارس مظلم.

بالمقابل، نرى أن مواقف زعمائنا في دول الخليج العربي كانت عقلانية ومتوازنة منذ بداية الأزمة الأوكرانية، ولم يقفوا إلى طرف ضد طرف، واستخدموا نقاط قوتهم في النفط والغاز وغيرها لصالح دولهم وشعوبهم فقط، منطلقين من خبرة كبيرة ومتراكمة في اتخاذ المواقف على الساحة الدولية بما يعيد ويخدم الأمن والاستقرار والرفاهية، ليس للإنسان الخليجي فحسب، بل للإنسانية جمعاء.