قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

كان العم إبراهيم بن عيسى يتأبط مذياعه كل صباح في طريقه لمزرعته؛ ومروراً بمخبز القرية يصبّح على المتجمهرين حول فرن القرية الوحيد بآخر الأخبار التي سمعها للتو من «هنا لندن»، ومنها خبر اقتحام جهيمان للحرم المكي الشريف صبيحة أول يوم في عام 1400هـ، ومن مركز القرية يعاد نشر الأخبار لكل بيت فيها. كانت إذاعة لندن الوحيدة التي نسمع فيها أخباراً ومعلومات مختلفة عما نسمع في الإذاعة السعودية، ولا أعتقد أن كثيرين من أهل القرية كانوا يعتبرونها أجنبية، فضلاً عن كونها إذاعة موجهة، فلندن لم تكن معرّفة في المخيل الجمعي لقرية أمية سوى نفر قليل من أبنائها.

كان برنامج السياسة بين السائل والمجيب من البرامج التي أتابعها، إضافة إلى برنامج قول على قول الذي يعده ويقدمه حسن الكرمي، وبرنامج ما يطلبه المستمعون، كما علقت في الذاكرة أسماء مذيعين عاصرناهم حتى انتقلنا إلى الجامعة حيث بدأت أذهاننا تتفتق ونعرف أن «هنا لندن» لم تكن صدقة وإنما إذاعة دولية موجهة. مديحة المدفعي، هي الرشيد، ماجد سرحان, أفطيم قريطم من الأسماء التي لطالما سمعناها في الأخبار أو البرامج، وأذكر كيف تابعت بشغف مسلسل «حول العالم في ثمانين يوماً» الذي أبقاني مشدوداً حتى الحلقة الأخيرة.

لقد كانت حرب تحرير الكويت عام 1991م نقطة تحول في علاقتي بهذه الإذاعة، فقد أخذت خطاً يخالف التوجه السياسي المعلن لبريطانيا التي شاركت في التحالف، وسخّرت الإذاعة أخبارها وبرامجها لتأليب الرأي العام العربي على المملكة العربية السعودية تحديداً وكنت من استغرابي لما أسمعه أسجل أخبارها الصباحية أملاً في دراستها لاحقاً، ولأن البرامج ولغة الأخبار ورتم الأداء كانت تتلون وفق محررها وقارئها، فقد كان الاستثناء أن تستمتع إلى مذيع محايد في تلك الفترة.

وعندما دشنت الهيئة تلفزيونها العربي، وانتقل عدد من مذيعي الإذاعة العربية إلى التلفزيون، بدأ البث أول بيت في قصيدته القصيرة كفراً، حيث تعرضت المملكة إلى هجوم غير مبرر في برامج تلك القناة العربية التي ولدت عام 1994م ودفنت بعد ذلك بعامين ليتظاهر في شوارع لندن عدد كبير من موظفي التلفزيون المقفل بعد أن عرضت على بعضهم وظائف مترجمين في ديزني لاند، وتصدرت صحيفة القدس العربي عناوين مناصرة لأولئك الإعلاميين والمذيعين الذين انتقلوا لاحقاً لقناة الجزيرة فحملوا معهم أيديولوجياتهم في إذاعة وتلفزيون بي بي سي، مضافاً إليها تصورهم أن وظائفهم انتهت بسبب شركة أوربت السعودية، وحفظوا لعبدالباري عطوان رئيس تحرير القدس موقعاً مميزاً في نشرات الأخبار والبرامج ردحاً من الزمن.

خدمة بي بي سي الدولية موجهة لخدمة السياسة الخارجية البريطانية، وعلى نمطها قنوات الحرة وراديو سوى، والقنوات والإذاعات الفرنسية والألمانية والروسية التي تردف سياسات تلك الدول. الإعلام الموجّه قوة ناعمة تقدم ثقافة البلد المرسل وقيمه ومصالحه للمتلقين خارج حدوده، وعلى سبيل المثال فإن قنوات الحرة غير مسموح لها البث داخل الولايات المتحدة الأمريكية. كما أن الإعلام الموجه إضافة إلى رسالته في تغيير القيم والأنساق الثقافية المغايرة فإنه يعمل على تغيير النظم السياسية وتهيئة الظروف المناسبة للثورات التي تصنع على عين ووفق مقاسات المرسل.

هنا لندن، نهاية مرحلة في الإعلام التقليدي الموجه، وهي ليست نهاية الإذاعة، ولكنها تحول البث إلى الوسائل الرقمية. خبر إغلاق الإذاعة العربية في هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» بعد 84 عاماً من الخدمة، في إطار خطتها لإعادة الهيكلة والتوجه إلى العروض الرقمية (الديجيتال) نتيجة أزمة مالية نزل على البعض كالصاعقة، واستدعى ذكرياتهم وصبغ ردود أفعالهم بالحزن والترحم على الأيام الخالية.

يحاول الإعلام الموجه الانتقال من استخدام المرسلات والموجات الإذاعية الطويلة والمتوسطة والقصيرة وFM إلى البث الرقمي لمواصلة تأثيره في المتلقين خارج حدوده إلا أن التقنية الرقمية ليست متاحة فقط للمرسلين الكبار من الدول والمؤسسات وإنما وفرت للمواطن إمكانية البث وحق الردع فاستطاع أن يتصدى على نحو أكثر فاعلية من المؤسسات الإعلامية الرسمية للإعلام الموجه. ومن نجاحات إعلام المواطن أنه استطاع نزع سموم الرسائل الإعلامية الموجهة بكشفه الخلفيات وتفسيره الأهداف وتعريته المرسلين وبخاصة المذيعين من رداء الفضيلة والموضوعية والمثالية، ولذلك بدأت وسائل الإعلام الجماهيرية الموجهة تراجع حساباتها أمام هذا الكم الهائل من ردود الفعل التي تشكك وتعترض الرسائل المصممة بمثالية، وتكشف عوار الناقلين لها من خلال البحث في ماضيهم وتناقضاتهم، وكان من أحدث نجاحات إعلام المواطن فصل عدد من المذيعين في خدمة التلفزيون الألماني الموجه.

لم تنته حقبة الإعلام الموجه بعمومه، لكن شبكات التواصل الاجتماعي مدّت المتلقي بوسائل كافية للمقاومة ومكنته من حق الاعتراض وعدم التسليم بالمحتوى الموجه كما كان سائداً عندما كان الاتصال الجماهيري يسير في اتجاه واحد.