مع أفول شمس عام وبداية عام جديد، تبلغُ حُمّى التوقّعات في الشؤون الحياتية والسياسية والاقتصادية والعسكرية ذروتها. وتتحول القنوات التلفزيونية والمنصّات الإعلامية سريعاً، إلى ساحات مفتوحة لفئتين متناقضتين في الأدوات، متشابهتين في الأثر، إلى حد ما، وهما: المنجّمون أو العرّافون من جهة، والمحللون السياسيون من جهة أخرى.

كلاهما ينشط في نهاية العام، مستغلاً خوف الإنسان مما يخبئه له مستقبل مجهول ممثل في عام جديد، وكذلك بحثه الدائم عن طمأنينة يحتمي داخلها كصَدَفة، وسط صخب عالم لا يُؤتمن، تتقاذفه أمواج وأعاصير وزلازل بأنواع مختلفة ومتعددة.

من الممكن تعريف التنجيم باختصار بأنه تجارة بيع الأوهام. يضرب بجذوره في أعماق التاريخ، حيث كان جزءاً أساسياً من مفردات وممارسات الحضارات القديمة شرقاً وغرباً. أما اليوم، فقد تحوّل التنجيم إلى مهنة معترف بها تدرُ أموالاً. تنتشر في كل البلدان تقريباً، وتعتاش على استغلال العاطفة والقلق الإنسانيين. المنجّمون والعرّافون، أينما كانوا، قديماً وحديثاً، يحظون بشهرة يحسدون عليها، ويمارسون نوعاً مما نسميه «الاحتيال المقنن»، مستندين في ذلك إلى قاعدة معروفة منذ قديم الزمن، يجسّدها مثلٌ شعبي يقول: «رزق الهبل على المجانين».

أدوات الصنعة بسيطة؛ إذ لا يحتاج المنجّم والعرّاف لأكثر من صياغات غامضة وإلى حيل لغوية مطاطة ليوهم زبائنه بامتلاك مفاتيح الغيب، في عملية هي أقرب للسطو أولاً على العقول منها إلى أي شكل من أشكال المعرفة، وبهدف السطو ثانياً على ما في جيوب الزبائن من مال. زبائن المنجّم أو العرّاف يشتركون فيما بينهم في خاصية استعدادهم النفساني لأن يكونوا ضحايا.

على الضفة الأخرى المقابلة، يبرز المعلقون والمحللون السياسيون في وسائل الإعلام على اختلافها، ويتنافسون في تقديم التعليقات والتحليلات في مختلف شؤون السياسة، ويتم كل ذلك على مرأى ومسمع من الجمهور، وبلغات رصينة وواضحة ومصطلحات. وما يقولونه من آراء، وما يقدمونه من تحليلات تبدو وكأنها، في رأيي، تشبه تخرّصات منجّمين من جهة، ومن جهة أخرى لا تحمل صفة العلم اليقين وإن بدت على السطح كذلك؛ أي أنها تتموضع في منزلة بين المنزلتين. وهذا يضعهم في خانة يمكن وصفها - إن جاز التعبير - بخانة «العرّافين المُحدثين».

ورغم أنّهم قادمون من خلفيات مختلفة عن المنجّمين والعرّافين، ويحملون أرقى الشهادات العلمية أو أغلبهم، وتتسم أغلب طروحاتهم بالمعقولية، وتستند إلى معطيات وأحداث وقرائن واقعية، لكنّها، في الأخير، لا تخرج عن دائرة التكهّنات؛ بمعنى أن نسبة احتمال خطئها تقل أو ربما تساوي نسبة احتمال صحّتها. وهي في جوهرها، إن أمكن القول، رهان يشبه إلقاء نرد على طاولة قمار.

المنجّمون والعرّافون يتحدثون إلى زبائنهم بلغة العارف الموقن، لكن المحللين السياسيين أكثر ذكاءً وحذراً في أحاديثهم وكتاباتهم، بمعنى أنّهم يحرصون على عدم قفل الأبواب وراءهم، بتركها مواربةً، ضماناً للتراجع حمايةً لسمعتهم وحفظاً لماء الوجه إذا ما سارت الرياح بما لا تشتهي سفن توقعاتهم، وهي كثيراً ما تفعل. ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن فئة منهم، بنسبة لا بأس بها، تنطلق من خلفية صلبة من المعرفة بالشأن السياسي، وبخبرة مكتسبة على مر الأعوام من ممارسة السياسة، وبعضهم ممن تولوا مناصب ومسؤوليات قيادية، ما يمنح أحاديثهم وتحليلاتهم مصداقية وصبغة «حديث العارف». لكن رياح السياسة – بطبعها – تظل ميداناً للمفاجآت التي قد تُسقط أعتى التوقعات.

يكمن السرُّ في استمرار رواج هذه التوقعات في طبيعة النفس البشرية، رغم يقيننا باحتمالية خطئها. نحن نتعامل مع المحلل السياسي أحياناً كما نتعامل مع خبير الأرصاد الجوّية؛ فالأخير قد يخطئ في تقدير سرعة الرياح أو موعد هطول المطر رغم امتلاكه لكل الأدوات العلمية. ورغم ذلك، نحرص نحن على متابعة النشرات الجوّية يومياً استعداداً وتوقياً لما قد يأتي به الطقسُ من مفاجآت.