رسالة إلكترونية واردة ذات عنوان جاذب تقود الصحفي لفتحها، تخاطبه باسمه مباشرة، تتناول موضوعاً مألوفاً، ومكتوبة بأسلوب تحرير صحيفته، قرأ الفقرة الأولى، ثم الجزء الأهم، لكن رغم مهنية الرسالة، فالنص بلا أخطاء لغوية أو أسلوبية، والمحتوى مناسب للنشر، إلا أنه شعر أن ما يقرأه ليس من كتابة إنسانٍ مثله!

ضغط على التوقيع في أسفل الرسالة، حيث لا يوجد اسم شخص، مجرد إشارة غير مباشرة إلى أن الرسالة "مولّدة" ومُدارة عبر منصة ذكية! لم يفكر الصحفي في المادة الصحفية الواردة، بل سأل نفسه: من يخاطبني الآن؟ أهو شخص مثلي يعرفني؟ أم خوارزمية قرأت أرشيفي، وحاكت أسلوبي، ثم قررت أن هذا هو الوقت المناسب للوصول لي؟

هذا الموقف أمسى يتكرر كثيراً في صندوق وارد الصحفيين، وهو ما يختصر التحوّل المحوري الذي نعيشه في مجال التواصل، تلكم الرسالة وصلت من "أوليفيا براون"، وهي ليست شخصية بشرية، بل منصة تواصل تلقائي! تقدم نفسها باعتبارها "وكيل تواصل ذكي"، يقترح المواضيع، يكتب المحتوى، ويبني قوائم الصحفيين، ثم يراسلهم ويتابع نشرهم تلقائيًا! وقد يبدو تقديم كل تلك الخدمات حلمًا لأي فريق تواصل مثقل بالمهام والمسؤوليات: اختصار الوقت، تقليل التكلفة، وتسريع الوصول، لكن وظيفة "التواصل" ليست مسألة وصول فقط، بل ثقة وتأثير.

تطورت قدرات الذكاء الاصطناعي تحريرًا، سواء في تجميع المعلومات، الترتيب، الاختصار، السياق، إلى "تنظيف" المحتوى، وتحويل المحاور والمسودات إلى مادة صحفية قابلة للنشر، ابتكار العناوين، وإعادة صياغة بيانات صحفية بأساليب مختلفة، وتكييف النبرة حسب المنصة أو الوسيلة. بسرعة تفوق العامل البشري!

غير أن الخطر لا يكمن في منتجها التحريري، بل في الابتكار الزائف! إذ للأسف تخترع بعض الأنظمة نصوصًا ومعلومات لا تستند إلى وقائع حقيقة، بل وتولد اقتباسات بلا مصدر حقيقي، وقد تضخم قصة عادية لأنها قابلة للإرسال!

تفاخر منصات الذكاء الاصطناعي بقدرتها على الوصول إلى الصحفيين المستهدفين، وتذكيرهم وإعادة تذكيرهم! بالتأكيد هذا أمر مطلوب، ولكن المستهدف لا يقرأ الرسالة بمعزل عن سياقها، بل يشعر بتكرار نمط الذكاء الاصطناعي، وحين تتشابه الصياغات، وتتكرر المتابعات، ويغيب الإحساس البشري، يدرك الصحفي الكفء سريعًا أنه أمام "آلة" لا أمام محترف تواصل، والإزعاج هنا ليس مسألة ذوق، بل سمعة، لأن المتلقي حين ينزعج لا يمنع وصول الرسائل القادمة فقط، بل يُكوّن انطباعًا سلبياً طويل الأمد عن الجهة المرسِلة، وعن قضاياها.

بالطبع هذه المنصات لن تُلغي مهنة التواصل، لكنها ستُغيّر أسلوب العمل، فالأعمال الروتينية، مثل كتابة المسودات، وإعداد القوائم، ستصبح آلية، أما ما سيبقى إنسانيًا؛ فهو: اختيار القصة، إدراك السياق، فهم الحساسية التحريرية، وبعبارة أخرى، ستُجبر هذه الأدوات محترف التواصل على أن يكون أقل تنفيذياً وتقنيًا، وأكثر تفكيرًا استراتيجيًا.

لكن قد تبرز معضلة أخلاقية، حينما تُرسل منصة ذكية رسالة مضللة، فمن يتحمّل الخطأ؟ المنصة؟ أم المؤسسة؟ الإجابة المهنية: المسؤولية لا تُفوَّض للآلة، فالذكاء الاصطناعي مجرد أداة، وكل رسالة تُرسل باسمه تحمل توقيع الجهة، لا توقيع الخوارزمية. لذا لابد من وجود سياسات استخدام مكتوبة وواضحة، توضح ما يسمح للنظام كتابته، وما يمنع توليده؟ إجازة الاقتباسات؟ مراجعة النصوص قبل الإرسال، خاصة وأن هذه المنصات تنشط في حقول ألغام، مثل قوانين "الرسائل غير المرغوبة"، "حماية البيانات الشخصية"، واستخدام بيانات الصحفيين، وبناء قوائم إعلامية آليًا، وتتبع اهتمامات الصحفيين، ثم مراسلتهم بشكل متكرر، الأمر الذي قد يضع المؤسسة الإعلامية -لا المنصة- أمام تحديات تنظيمية.

لم يعد التواصل حرفة تُدار بالخبرة، ولا مهنة تتكئ على العلاقات الشخصية، بل دخلت عصر الأدوات الذكية، حيث باتت القصة تُكتب، وتُحرَّر، وتُقسَّم، وتُرسل، وتُتابَع.. دون تدخل بشري، سؤالي وقد تولت الخوارزميات دفة قيادة "التواصل": إلى أين يمضي مستقبل التواصل؟