منذ تأسيس مجلس التعاون لدول الخليج العربية عام 1981، شكّل هذا الكيان إطاراً جامعاً لدولٍ ارتبطت بروابط التاريخ والدين والجغرافيا والمصير المشترك.
وجاء إنشاؤه في مرحلة دقيقة من تاريخ المنطقة، ليكون منصة للتنسيق والتكامل في المجالات، السياسية والأمنية والاقتصادية، واستجابة لحاجةٍ مشتركة إلى الاستقرار والتنمية. وخلال أكثر من أربعة عقود، حقق "مجلس التعاون" منجزات ملموسة، كان من أبرزها تعزيز التنسيق السياسي، وبناء منظومة تعاون أمني أسهمت في حماية دوله من كثير من التحديات، إضافة إلى خطوات اقتصادية مهمة مثل الاتحاد الجمركي، والسوق الخليجية المشتركة، وتسهيل تنقل المواطنين والعمل والتملك بدرجات متفاوتة، في إطار يحترم سيادة كل دولة وخصوصيتها. وفي عام 2011، أطلق المغفور له بإذن الله الملك عبدالله بن عبدالعزيز، رحمه الله، دعوته إلى الانتقال من مرحلة التعاون إلى مرحلة الاتحاد، انطلاقاً من رؤية تستشرف المستقبل، وتقرأ المتغيرات الإقليمية والدولية المتسارعة، وتؤكد أن التكتلات القوية باتت خياراً ستراتيجياً لا ترفاً سياسياً.
وقد مثّلت هذه الدعوة محطة مفصلية في مسيرة المجلس، وأعادت إلى الواجهة سؤال التكامل الخليجي الأعمق. ولا يمكن النظر إلى هذا الطموح بمعزل عن واقع دول المجلس، التي تختلف في أولوياتها التنموية، ونماذجها الاقتصادية، وسرعة اندماجها، وهي اختلافات طبيعية ومشروعة، لا تنتقص من وحدة الهدف، بل تعكس تنوع التجارب داخل إطارٍ واحد. وقد أثبتت مسيرة المجلس أن التوافق والحوار كانا دائماً الطريق الأمثل لتجاوز التحديات، والحفاظ على تماسك البيت الخليجي. واليوم، وفي ظل ما يشهده العالم والمنطقة من تحولات متسارعة وتحديات، سياسية واقتصادية وأمنية، تبرز الحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى "مجلس تعاون" قوي، متماسك، وقادر على تطوير أدواته بما يخدم مصالح شعوبه، ويحمي مكتسباته، ويعزز حضوره الإقليمي والدولي. اتحادٌ يُبنى بالتدرج، ويقوم على الوضوح، ويحفظ لكل دولة سيادتها، ويعزز في الوقت ذاته العمل الجماعي والمسؤولية المشتركة.
تبقى أماني شعوب الخليج متمثلة في كيانٍ خليجي أكثر قوة وتلاحماً، يترجم تطلعاتها إلى واقع ملموس في الأمن، والاستقرار، والرخاء، والتنمية المستدامة.
ومع قيادةٍ واعية، وإرادةٍ مشتركة، وثقةٍ متبادلة، يمكن لمسيرة "مجلس التعاون" أن تتطور نحو ما حلم به المؤسسون، وما دعا إليه الملك عبدالله بن عبدالعزيز، رحمه الله، ليكون الاتحاد امتداداً طبيعياً لتعاونٍ راسخ، وتجسيداً لوحدةٍ تحفظ الماضي، وتبني المستقبل.















التعليقات