يوم 14 الجاري، وعلى خلفية الاستعدادات الأميركية لضربة عسكرية لإيران، سارع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى الإطلالة تلفزيونيّاً عبر محطة "فوكس نيوز" الأميركية التي يدأب الرئيس الأميركي دونالد ترامب على متابعتها من دون توقف. اختار عراقجي هذه المحطة للتوجه برسالة مباشرة إلى الرئيس الاميركي غير تلك التي يضطلع بها الوسطاء الإقليميون في شكل خاص لكي يسمع التزاماً إيرانيّاً مباشراً وصريحاً بالاستعداد للتفاوض الديبلوماسي. كرّر عراقجي في إطلالته التاكيد أنّ "الديبلوماسية أفضل بكثير من الحرب، وأنّ الديبلوماسية هي الطريق الأفضل على الرغم من اننا لا نملك أي تجربة ايجابية مع الولايات المتحدة" كما قال. وتلقّف الرئيس الأميركي الرسالة الإيرانية الموجّهة إليه والتي تُحاكي رغبته في مخاطبته، فأعلن موفده إلى المنطقة ستيف ويتكوف أنّ ترامب طلب التواصل مباشرة مع الجانب الإيراني، وأنّه لا يزال يرى فرصة لنتائج مفاوضات ديبلوماسية مع إيران، وذلك فيما كان سرى قبل أيام طلب ترامب قطع الاتصالات المباشرة معه. تظاهرة مندّدة بالنظام الإيراني في تركيا (أ ف ب). تيقّنت إيران من دقة الموقف وخطورته الهائلة وتصاعدت مخاوفها من ضربات قد تُنهي النظام في ظل المؤشرات الداخلية الواقعية التي تصبّ في هذا الاطار والتوقعات الخارجية كذلك. وفيما أنّ الانتظار قوي لمعرفة ما إذا كانت ايران اشترت لها وقتاً إضافيّاً لمواصلة مسارها التقليدي، أم أنّ هناك تنازلات جدية تعهّدت بها للوسطاء أو للجانب الأميركي لكي يمتنع عن استهداف إيران ونظامها وفق ما تشي بعض المعلومات والتعهدات من جانب بعض الوسطاء الإقليميين، فإنّ الاصرار من عراقجي على إن تعود الولايات المتحدة الى الديبلوماسية ورغبة إيران في أن تكون الديبلوماسية وليس الحرب خيارها، يوفر للدولة اللبنانية في رأي البعض، ورقتها القوية المباشرة لدحض ذرائع الحزب وانتقاداته للمقاربة الديبلوماسية التي يرغب لبنان في استكمالها عبر لجنة "الميكانيزم" فيما تتوالى الانتقادات من الثنائي الشيعي وتحديداً من "حزب الله" لهذه المقاربة، كما لو أنّ هناك خياراً آخر على قاعدة ما يقوله أركان في الطائفة الشيعية أنّ اسرائيل لا تفهم إلّا منطق القوة وليس الديبلوماسية. المسألة الجوهرية الآن وحتى إشعار آخر هو إيران، على رغم تراجع الخيار العسكري الأميركي نتيجة اعتبارات كثيرة يتقدّمها الخوف من تداعيات سقوط نظام لا بديل له في الأفق ويمكن أن يكون كما كان العراق وليبيا من قبله بمثابة صندوق باندورا يفتح الباب على احتمالات خطيرة في ايران والمنطقة. ولذلك تدخّلت الدول الخليجية وتركيا لدى الرئيس الاميركي لمنع الحرب في شكل اساسي. والسؤال الاساسي هو هل تستفيد إيران من هذه الفرصة أو تعتبرها انتصاراً لها بحيث يبقيها في مقاربتها الداخلية والخارجية معاً؟ تقول مصادر ديبلوماسية إنّ ليس الخارج فحسب ما أدّى إلى تعديل ترامب موقفه، بل إنّ بعض المحيطين به حذّروا من الذهاب إلى حرب ضد إيران تفتح المجال أمام المجهول. وذلك علماً ثمة من يثير تساؤلات إذا كان ترامب يمكن أن يكتفي بـ"التنازل" الذي اعتبره إنجازاً لجهة وقف إيران إعدام 800 من الشباب الإيرانيين المتظاهرين والمحتجين، في وقت بدا تهديده بإرسال المساعدة على الطريق التي وعد بها المحتجين أقرب إلى ما يكون تهديد الرئيس باراك أوباما الرئيس السوري بشار الاسد في 2013 بخطّ أحمر إذا قصف شعبه بالأسلحة الكيماوية ولم يُحرّك ساكناً على الأثر، وذلك فيما سخر ترامب من أوباما مراراً على هذه الخلفية. ولذلك تستمر جميع السيناريوهات على الطاولة وفق ما يتم تأكيده في واشنطن بما يترك المجال أمام ترامب تغيير موقفه المتريّث أو غير الراغب في حرب راهناً مكتفياً بالمزيد من الضغوط على السلطات الإيرانية التي، وكما في كل مرة، تنجو من قطوع الاحتجاجات الشعبية تظهر تشدّداً أكبر على قاعدة نجاحها في البقاء وتظهير قدرة على الإمساك الداخل الايراني بقبضة من حديد. إلّا أنّه ما بات تحت المراقبة اكثر في هذه الجولة من المواجهة الايرانية الداخلية والخارجية التي تدخلت بها دول إقليمية لانقاذ النظام الايراني تحت عنوان "إعطاء فرصة له"، كيف أو اذا كان النظام سيستفيد من هذه الفرصة أو أنّه يشتري وقتا للصمود فيما يظهر ثقة بأنّ لا بديل منه بالنسبة الى الخارج باقرار ترامب نفسه الذي لم يراهن على ابن الشاه السابق رضا بهلوي. وهذا السيناريو يُرجّحه كُثر في ظل انتظار الانتخابات النصفية الاميركية في تشرين الثاني المقبل بحيث قد يتم تقييد هامش الرئيس الاميركي اكثر اذا خسر الجمهوريون هذه الانتخابات . فيما ان ايران قد تحاول ان تشتري الوقت ايضا بالعودة الى طاولة المفاوضات وتلبية بعض المطالب لتخفيف الضغوط الاقتصادية التي باتت تنهك قدرات النظام على الاستمرار . فالفرصة التي اشتراها الخارج الاقليمي لايران هي في يد ايران وحدها اذا رغبت في الاستفادة منها بادراك انها لا يمكنها الاستمرار في سلوكها الحالي وانه يتعين عليها التغيير سلميا في الداخل على وقع المؤشرات الخطيرة التي تبرز بين وقت واخر اضافة الى ضرورة الاقرار بالمؤشرات المتمثلة في المتغيرات الخارجية التي نزعت من يد ايران اوراقها القوية في المنطقة . وذلك ما لم تعتبر ان زئبقية الرئيس الاميركي وتحوله الى غرينلاند او سواها يعفيها من التحدي ويوفر لها وقتًا اضافيا للتنفس واعادة تأهيل موقعها كما في السابق .
- آخر تحديث :

















التعليقات