قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

على بعد أقل من شهر سيتم حفل تنصيب الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب"، و إلى ذلك الحين تتناسل التوقعات و تتشكل الآمال و تتشابك المخاوف، وفي هذا السياق الدولي المشحون، تبلور موقف صيني من الإدارة الجديدة و تصريحاتها في مجالي التجارة الخارجية والاستثمار. وسوف يحاول هذا المقال، تحليل الموقف الصيني و ذلك بتحليل مضمون خطاب القيادة السياسية الصينية، لاسيما من الزاوية الاقتصادية و المالية باعتبارهما المحدد الأساس في علاقة كلا البلدين.
مبدئيا، أصبح من المؤكد أن الصين قوة عالمية عظمى مؤثرة في القرار الاقتصادي و السياسي و الأمني الدولي و الإقليمي، فالبرغم من توجه الصين الناعم على مستوى خطابها الخارجي إلا أن تأثيرها أصبح له دلالته الخاصة، بالإقليم العربي و القارة الإفريقية، هذا إلي جانب حضورها القوي بمجالها الحيوي بشرق أسيا و الباسفيك. 
وأهم ما يميز السياسة الخارجية الصينية الهدوء و البرغماتية، و نبذ مبدأ التدخل في شؤون الغير، وهذا التوجه العام، تمت صياغته في المؤتمر الوطني التاسع للحزب الشيوعي الصيني في أبريل ١٩٦٩ وقد كان لهذا التوجه دور في كسب ثقة الدول في الشريك الصيني بعد سياسة العزلة التي أعقبت الثورة الثقافية، و في هذا المؤتمر تم طرح المبادئ الخمس للتعايش السلمي و هي :
- الاحترام المتبادل لوحدة الأراضي و السيادة.
- سلامة أراضيها الإقليمية و عدم الاعتداء
- عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول 
- المساواة و المنفعة المتبادلة
- التعايش السلمي
وقد تبنت باقي المؤتمرات اللاحقة للحزب الشيوعي نفس التوجه، مع بعض التعديلات الثانوية التي اقتضاها السياق الدولي المتغير وتحول الاقتصاد الصيني من اقتصاد منغلق إلى اقتصاد منفتح يرتبط بالخارج تصديرا و استيرادا. لكن على الرغم من هذا التوجه العام إلا أن مكانة الولايات المتحدة في السياسية الخارجية الصينية له وضع خاص و العكس صحيح. وذلك بفعل عاملين ؛ 
العامل الاقتصادي و المالي ؛ فالسوق الأمريكي شكل مند انطلاق سياسة الانفتاح سنة 1979 أهم سوق للصادرات الصينية، و له تأثير قوي في معدل نمو الاقتصادي الصيني فجزء كبير من المقاولات العاملة في الصين تركز على السوق الأمريكي، كما أن الاستثمارات الأجنبية المباشرة التي مصدرها الولايات المتحدة لعبت و لازالت تلعب دورا مهما في نقل التكنولوجيا المتطورة إلى الداخل الصيني. 
أما بالنسبة للولايات المتحدة فالصين أصبح لها تأثير قوي في صياغة العديد من المؤشرات الاقتصادية بالسوق الأمريكي، فحجم السيولة النقدية الصينية دفع الحكومة الصينية إلي الاستثمار في سندات الخزينة الأمريكية، و هو الأمر الذي كان له تأثير على التوازنات الكلية للاقتصاد الأمريكي، فتوظيف الاحتياطيات النقدية في سندات الخزينة الأمريكية لعب دورا في ضبط سعر الفائدة و ضمان استقرار قيمة الدولار الأمريكي وهو ما كان له تأثير ايجابي على الاقتصاد الأمريكي ككل و على المواطن الأمريكي، بفعل توفر السيولة النقدية في سوق الائتمان و توافر السلع الصينية المنخفضة التكلفة، مما ساهم في تعزيز القدرة الشرائية، وإن كان هذه الصادرات الصينية و انتقال الاستثمارات الأمريكية إلي الداخل الصيني لها تأثير علي نقل الوظائف للصين، إلا أن أمريكا بدورها مستفادة من الازدهار الاقتصادي الصيني مادام جزء مهم من هذه العوائد يستثمر في سندات الخزينة الأمريكية.
العامل الثاني : الصين لازالت لها مطالب في تايوان و أمريكا هي داعم أساسي لحكومة تايوان التي تعتبرها الصين مقاطعة صينية متمردة. هذا إلي جانب الحضور العسكري القوي للولايات المتحدة في منطقة المحيط الهادي و الباسفيك مما يجعل علاقة العداء و الود بين القوتين تعرف مدا وجزرا. 
إذا أخدنا العاملين السابقين بالحسبان فسوف نفهم طبيعة القلق الصيني من الإدارة الأمريكية الجديدة، فالصين لها مخاوف مركبة، فعلى الرغم من أن الصين قوة اقتصادية و عسكرية، إلا أن الصين لازالت أولوياتها تتمحور حول الداخل الصيني فالاهتمامات الصينية تنموية بالدرجة الأولى و ليست توسعية بالضرورة، فالقيادة الصينية تراهن على استمرار معدل النمو الاقتصادي فوق 7 % حتى تتمكن من استيعاب جحافل الوافدين الجدد على سوق العمل و العمال المسرحيين و الذين يقدر عددهم أزيد من 20 مليون سنويا. و النمو الاقتصادي يتطلب بيئة إقليمية ودولية سلمية، فأي سياسة أمريكية متهورة بالمجال الحيوي الصيني يمكن أن يكون لها تأثير سلبي على الاقتصاد الصيني، خاصة و أن المجال الحيوي للصين أصبح يتسع باتساع مصالحها الاقتصادية والتجارية.
فالمجال الحيوي للصين يشمل اليوم تأمين مصادر الطاقة و المواد الخام، فالاقتصاد الصيني أصبح جد نهم لمصادر الطاقة و المواد الخام الأجنبية، فالصين تستورد جزء مهم من احتياجاتها الطاقية من إفريقيا و بلدان الخليج و هذه المنطقة هي مسرح السيطرة الأمريكية. فتهديد إمداد الاقتصاد الصيني بالمواد الأولية والطاقية يشكل أهم مخاوف السياسة الخارجية الصينية من تهور الإدارة الأمريكية الجديدة، وإشعال بؤر توثر على طول خطوط إمداد الصين بالطاقة و المواد الخام. 
كما أن الصين لا يمكن تصنيفها ضمن البلدان الديمقراطية وفقا للنموذج الغربي، فهي لازالت تعرف سيطرة مطلقة للحزب الشيوعي الصيني الذي يجمع كل السلط، و يفرض قيود صارمة على الحريات السياسية و المدنية، لذلك تتخوف الصين من توظيف ملف حقوق الإنسان لدعم المعارضة الداخلية و دعم الحركات الانفصالية، خاصة بالمقاطعات التي تمثل فيها الأقليات العرقية الأغلبية كإقليم التبت و منغوليا...
لكن على الرغم من هذه المخاوف الصينية إلا أن الإدارة الأمريكية مهما كان مستوى تطرفها، لن تستطيع تحقيق مكاسب إضافية من الحكومة الصينية، وذلك بفعل الظروف الهشة التي يمر منها الاقتصاد الأمريكي و توسع عجوزات الخزينة الأمريكية، فالقوة العسكرية وحدها لا تكفي لابتزاز الصين، التي أصبحت بدورها تمتلك قوة عسكرية ضاربة يمكنها الصمود في وجه أي مغامرة عسكرية تقودها أمريكا ضد الصين أو حلفاءها. 
فأوراق الضغط التي تمتلكها الصين لا تقل عن تلك التي بيد الولايات المتحدة فالضغط متبادل، فتحالف الصين مع روسيا والاتفاق على تسعير المبادلات التجارية بالعملة المحلية لكلا البلدين، هو كسر لهيمنة الدولار في المعاملات التجارية الدولية، و في ذلك تأثير على قيمة الدولار وهذه من أهم أوراق الضغط بيد الحكومة الصينية، التي تحاول الاستثمار في سندات الدين الأمريكي للحفاظ على قوة العملة الأمريكية في مقابل "اليوان" المنخفض دعما للصادرات الصينية، و جعلها أكثر تنافسية في السوق الأمريكي..كما أن توجه الصين نحو التحالف مع الروس و التنسيق معهم في مجلس الأمن و في العديد من القضايا الدولية كملف إيران النووي و العراق و ليبيا و سوريا... هو تحالف من أجل كسر هيمنة الولايات المتحدة و إخراجها التدريجي من مناطق النفوذ التي ورثتها بعد نهاية الحرب العالمية الثانية ووطدت هيمنتها بها بعد نهاية الحرب الباردة. فالصين تحاول الابتعاد عن المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة و تكتفي بالتأثير من وراء الستار وعبر حلفاءها.
و لا يعد هذا التوجه الصيني تخوفا من الولايات المتحدة، بقدر ماهو حكمة صينية واستنزاف للقوة الأمريكية، فالصين تعمل في صمت لبناء قوتها الاقتصادية و العسكرية، فهذه القوة الصاعدة وان كانت عبر التاريخ تتسم بنزعة الانعزال و عدم الرغبة في التوسع خارج حدود مملكة الوسط، إلا أن قرارها السياسي في الوقت الراهن تمليه المصلحة. فالصين من أكثر البلدان استفادة من الوضع الحالي، فانخفاض كلفة الطاقة في السوق الدولية و تراجع القوة الاقتصادية الأمريكية والغربية يصب دون شك في مصلحة الصين، كما أن تآكل القوة العسكرية الأمريكية، و انحصار مناطق نفوذها يسرع من صعود الصين كفاعل مهم في العلاقات الدولية. 
لكن للأسف هذا الصعود أو النزول في القوى الدولية ولعبة المواقع بين القوى العظمى يدفع ثمنها العالم العربي و الإسلامي باعتباره الحلقة الضعيفة في عالمه تحكمه القوة، و خير دليل على ذلك هو استعمال الفيتو الصيني ضد تمرير قرار الهدنة بحلب بمجلس الأمن...ليستمر الدم العربي مجرد حجر في لعبة الشطرنج الدولية...


*إعلامي و أكاديمي مغربي متخصص في الاقتصاد الصيني و الشرق آسيوي