لفت انتباهي أخبار تداولتها مواقع التواصل الاجتماعي حول صدور أول فتوى من دار الإفتاء المصرية بالرسوم المتحركة، حيث نشرت الفتوى على شكل فيديو على صفحة دار الإفتاء على موقع التواصل الاجتماعي&"فيسبوك"، وهي فتوى تتعلق بالمولد النبوي الشريف، وتاتي ضمن&300&فتوى سيتم إخراجها بهذا الشكل التقني الجديد.

الفكرة، شأنها شأن أي فكرة جديدة، قوبلت بجدل وتباين بين قبول ورفض، وهذا أمر طبيعي ولا يثير القلق، لاسيما أن معظم المجتمعات العربية قد نالها مانالها من التكلس الفكري والثقافي، بحيث باتت بمنأى تماماً عن منطقة الابداع والابتكار والخيال الخلاّق.

وشخصياً، لم استغرب السخرية من الفكرة من جانب البعض عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ليس فقط لما ذكرت سالفاً، ولكن أيضاً لأن السخرية باتت الطابع الطاغي لمستخدمي هذه الوسائل، التي تحولت إلى نوع من العبثية واللا منطق في التعامل مع مختلف أمور الحياة، السياسة والاقتصاد والفكر والدين أيضاً.

الساخرون يرون أن من الصعب مواجهة التطرف والتشدد بالتكنولوجيا الحديثة، ولكن لم يذكر أحدهم لماذا؟ وماهو السبب الذي يحول دون تفنيد فكرة او تفكيك طرح متشدد عبر قالب تقني متطور يناسب العصر وفكر الأجيال الجديدة التي لم تعد تمتلك الوقت الكافي للقراءة التقليدية وغير ذلك.

المؤكد أن إطلاق وحدة للفتاوى الصوتية المصحوبة بالرسوم المتحركة هو تغير في التكتيك وليس في الاستراتيجية، وهذا تغير محمود وفكر يجب تشجيعه، لسبب بسيط أن معظمنا كباحثين ومتخصصين طالما تحدثنا عن كيفية توظيف تنظيمات التطرف للتقنيات الحديثة في كسب متعاطفين جدد، والتواصل مع شريحة ما من الشباب، كما تشير الدراسات الإعلامية إلى أن انتشار تنظيم&"داعش"&تحديداً يعود في جانب كبير منه إلى كفاءة استخدام مواقع التواصل الاجتماعي الحديثة مثل&"تويتر"&و"فيسبوك"&و"انستجرام"&وغيرها، فإذا كان الأمر كذلك فلماذا نوجه سهام النقد للجهات الرسمية المعنية بالتصدي للتشدد والتطرف حال تخلي هذه الجهات عن أساليبها التقليدية المعروفة والتفكير خارج الصندوق واستخدام أدوات العصر في تحقيق أهدافها؟!

لم تفعل دار الإفتاء المصرية ما يستحق النقد لأن&وحدة&"انيمشن"، أو وحدة رسوم متحركة تعمل على عرض الأفكار المغلوطة التي ترددها جماعات الظلام ثم الرد عليها ودحضها بطريقة ميسرة عن طريق تقديم المعلومات والفهم الصحيح عبر تقنيات حديثة تواكب العصر

اللجوء إلى فن تبسيط المعلومة وتوظيف التقنيات في ذلك مسألة غاية في الأهمية، واعتقد أن هذه البدايات البسيطة يجب ان تتواصل وتتطور كي يمكن أن تحقق أهدافها عبر أدوات وأفكار أكثر إبداعاً وابتكاراً.

ثمة نقطة أخرى يتحدث عنها البعض وهي استخدام صوت نسائي في التعليق على الصور المتحركة، وهي مسألة تبدو في نظر البعض موضع جدال وخلاف، حيث لا يزال يتمسك البعض بأن صوت المرأة&"عورة"!&

الصمت في مواجهة التطرف أضاع سنوات طويلة في الجدال حول أمور حسمها الشرع والفقهاء منذ سنوات طويلة، ولكن هؤلاء البعض استطاعوا اثارة الجدال مجددا حولها، واثاروا من الضجيج والصخب ما يمنع التقدم والتطور في مسيرة تجديد الخطاب الديني، الذي تحدث الجميع عنه كثيراً وكثيراً من دون تحقيق أي خطوات جدية على صعيد تحقيق هذا الهدف الاستراتيجي المحوري في مستقبل العالمين العربي والإسلامي.

الصمت يعني المزيد من التمدد للتطرف والإرهاب، ومن يتصور أن هذه الظاهرة الخبيثة قد انتهت بهزيمة تنظيم&"داعش"&في سوريا والعراق، فهو يبدو كمن تصور من قبل أن تنظيم&"القاعدة"&قد انتهى بمقتل مؤسسه أسامة بن لادن في عام&2011، فحركات التطرف، بحسب خبرة التاريخ، تشبه في صيرورتها المد والجزر، فتارة تتراجع وتارة تتقدم، ولم تخل فترة تاريخية طيلة القرون الماضية من مثل هذه الحركات والتنظيمات وإن تفاوتت وتباينت قوتاها وتأثيرها وحدود خطورتها؛ ومن ثم فإن من الضروري المضي في جهود التصدي للتطرف والتشدد سواء عبر تفكيك أسانيد هذا الفكر الضال، أو عبر نشر ثقافات مضادة مثل التسامح والتعايش والتعددية وقبول الآخر، وهو ما تبذل فيه دول مثل الامارات جهود هائلة لنشره في أسوع نطاقات جغرافية ممكنة.

ويجب أن ندرك جميعاً أن فقدان التواصل مع الأجيال الجديدة وعبر التقنيات الحديثة التي يجيدون التعامل معها يعني ترك الساحة خالية للإرهاب وتنظيماته، فالمواجهة لا تكون سوى بوسائل وآليات مماثلة، فالتنظيم الذي اعتمد الرسوم المتحركة وغيرها في دعايته الإرهابية كان لافتاّ لمنتقدي الجهات الرسمية المعنية عن الخطاب الديني، فلا يجب بالتبعية أن نصادر على حق هذه الجهات في التصدي للفكر المتطرف بوسائل قادرة على هزيمته وفي نفس ساحة الصراع عبر الانترنت.