: آخر تحديث

الاعلام العربي في مصيدة الکذب الايرانية

في اواخر عام 1849، حيث کانت الاراضي الروسية تکسوها الثلوج، تم إقتياد قافلة من المحکومين الى سيبريا، وکان من بينهم، ديستوفسکي الذي کانت أرجله مکبلة بالاصفاد، وهذه السفرة الحافلة بأنواع العذاب و الالام، إستغرقت شهرا کاملا، وقد خاض في السجن الموحش و الکئيب بسيبريا غمار تجربة قاسية و مٶلمة الى أبعد حد بحيث بقيت آثارها ماثلة عليه حتى آخر لحظة في حياته و جسد ذلك في کبريات رواياته وبشکل خاص في رواية"ذکريات من بيت موتى"، وقد أشار ديستوفسکي في رسالة کتبها لأحد أخوته في بدايات عام 1854، الى الحياة الصعبة هناك وإن سلطات السجن قامت ومن دون رعاية المستوى الثقافي و الاجتماعي للسجناء، بخلطهم معا، وقد وصف ديستوفسکي هذا الخلط ب"الشيوعية الاجبارية"، هذه البداية، أوردتها لکي أشير الى فظاعة السجون الايرانية وکونها على نفس هذا النسق الروسي في الالفية الثالثة بعد الميلاد.

خلال لقاءاتي المستمرة مع السجناء الايرانيين الذين أطلق سراحهم أو هربوا من سجونهم، أکدوا على حقيقة إن السلطات الايرانية تعمد الى خلط السجناء السياسيين مع أکثر السجناء إجراما و سوءا، في سجون ليست هناك من سجون تضاهيها إلا تلك التي وصفها ديستوفسکي في رواياته المختلفة وخصوصا الرواية التي ذکرناها آنفا، إذ إن معظم السجون الايرانية و بإعتراف مسٶولين إيرانيين، تضم أضعاف طاقاتها، بحيث إن النوم بالتناوب، وإذا ماکان البعض قد يصف هذا الامر بمبالغة فإن لکاتب هذه الاسطر تجربة شخصية مريرة بهذا الصدد، إذ عندما کنت في سجون الاسر في الثمانينيات و تحديدا في سجن"آراك مخصوص"، الذي يقع خارج مدينة آراك، فکان مکان نوم کل أسير شبرا و ثلاثة أصابع، علما بأن الاعلام الايراني حينئذ کان يزعق بکون الاسرى العراقيين ضيوف على الجمهورية الاسلامية کما أعلن الخميني!

الفظاعات التي سردها لي العديد من السجناء الايرانيين عن ما لاقوه من العذاب والالم من الصعب عکسها بدقة لکنني شعرت بها لأنني مررت بتجربة قريبة منها، رغم إن القادمين"الهاربين"من جحيم الجمهورية الاسلامية الايرانية قد رووا أيضا مايجعل المرء يتفهم سبب ذلك الغضب العاصف الذي عکسته إنتفاضة 28 ديسمبر/جنيوري الاخيرة و التي لازالت مستمرة بصورة و أخرى في حين إن الاعلام الرسمي الايراني يسعى للإيحاء بأنها قد إنتهت و الاعلام العربي للأسف يردد من ورائه ذلك الزعم الواهي.

هناك ثمة حقيقة بالغة الاهمية لابد من تسليط الاضواء عليها وهي تتعلق بالفرق و التباين بين إنتفاضتي عام 2009 و إنتفاضة أواخر عام2017 و بدايات 2018، إذ أن الاولى قد تم إخمادها فعلا، فلم تبق هناك تحرکات و نشاطات إحتجاجية متداعية عن الانتفاضة، لکن بالنسبة للثانية، فإن الامر مختلف تماما إذ هناك يوميا مالايقل عن 16 نشاطا و تحرکا إحتجاجيا في مناطق مختلفة من إيران، الى جانب إننا يجب أن لاننسى بأن إنتفاضة الاهواز الاخيرة قد دامت أکثر من اسبوعين في حين دامت إنتفاضة مزارعي إصفهان لثلاثة أسابيع و نفس الشئ لمدينة کازرون هذا بالاضافة الى أن الاضراب في مدينة بانە و سائر المدن الکردية الاخرى قد دخل اسبوعه الرابع، والاهم من هذا کله، إن تصريحات المسٶولين الايرانيين التي يتم إطلاقها بين الفترة و الاخرى، تحذر من إن بوادر إندلاع إنتفاضة کبيرة على الابواب و يجب العمل للحيلولة من إندلاعها، کما إن هناك فرقا آخرا ومهما جدا بين الانتفاضتين، وهي إن الاولى لم يکن لها قيادة واضحة المعالم وکان فيها نوعا من عدم الوضوح، لکن في الثانية فإن الامر کان مغايرا تماما إذ قادتها وبإعتراف خامنئي نفسه، منظمة مجاهدي خلق، وهو إعتراف لابد للإعلام العربي أن يأخذه بنظر الاعتبار و يوليه أهمية أکبر، فهذا الاعتراف يفند و يدحض أکثر من ثلاثة عقود من مزاعم السلطات الايرانية و إدعاءاتها الرسمية بشأن هذه المنظمة.

لايمر يوم على إيران إلا وتکون هناك سلسلة من النشاطات الاحتجاجية خصوصا بعد أن صارت الاوضاع المعيشية وصلت الى حد لايطاق وإنها تتجه نحو الاسوأ و الاسوأ، وإن الانسحاب الامريکي من الاتفاق النووي و الجولة الفاشلة لوزير الخارجية الايراني و التي کانت تهدف للحصول على ضمانات من الاوربيين والتي يبدو إنها لاتقدم إلا بعد تقديم تنازلات جدية جديدة من قبل طهران، کل هذا الى جانب عقوبات جديدة في الطريق، ستلقي بآثارها السلبية جدا على المشهد الايراني، وفي هکذا أوضاع أکثر من ملائمة و مناسبة لإستمرار الاحتجاجات الشعبية، فإنني أتذکر قولا مأثورا للکاتب الانکليزي الساخر برناردشو حيث يقول:( دائما ما يلوم الناس الظروف، ولکنني لاأٶمن بالظروف..الناجحون في هذه الدنيا هم أناس يستيقظون في الصباح، ويبحثون عن ظروف مواتية، وإذا لم يجدوها..صنعوها)، وهکذا الحال تماما مع منظمة مجاهدي خلق، فهي تصنع الاحداث ولاتنجرف فيها و تبادر ولاتنتظر و تهاجم ولاتبقى في الدفاع وسوف يأتي اليوم الذي يعيد فيه الاعلام العربي کلامي هذا، کما أعاد کلاما سابقا لي قبل عشرة أعوام من الان، لکن المهم جدا هو أن ينتبه الاعلام العربي للحقيقة الاهم وهي إن الانتفاضة الايرانية لازالت مستمرة و إنها أشبه الان بسيول صغيرة قد تلتقي ببعضها في أية لحظة لتصبح سيلا جارفا، وهذه المرة يجرف کل شئ، وکما يقول الکاتب عبدالباري عطوان في نهاية کل مقال له، والايام بيننا!

أية اعادة نشر من دون ذكر المصدر ايلاف تسبب ملاحقه قانونيه


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في رأي