سلطان القحطاني من الرياض: مضى ستون عاماً على أول التقاء سياسي ما بين السعودية وأميركا عندما ظهر الملك عبدالعزيز مؤسس الدولة السعودية الثالثة على باخرة الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت وهي تمخر عباب البحيرات المرة في قناة السويس.
كانت الصورة الأشد تأثيراً تلك التي تناقلتها الوسائل الإعلامية حيث يظهرُ روزفلت وهو يتقدم في جلسته ملقياً برأسه تجاه الملك عبدالعزيز الذي كان يتحدث مبتسماً وهو يشير بيمناه إلى روزفلت.
ولعل أول نقطة خلاف شهدها لقاء الزعيمين عام 1945م على ظهر البارجة الحربية "يو اس كوينسي" كانت تتعلق بالصراع العربي الفلسطيني،وهو الملف الذي يرى مراقبون بأنه أكثر الملفات تفجراً على صعيد العلاقات السعودية الأميركية منذ أكثر من نصف قرن.
ومنذ أول لقاء على بارجة روزفلت إلى آخر لقاء سياسي في مزرعة بوش الإبن فإن العلاقات السعودية الأميركية مرّت بمراحل متعددة من التجاذبات على صُعد مختلفة،أسهمت في أن تتفاوت مسارات الحليفين مابين التقاء أو تقاطع.
ويعود جميل الذيابي،وهو مدير تحرير في صحيفة الحياة اللندنية،بالذاكرة ثلاثة اعوام إلى الوراء حيث كانت العلاقات السعودية في أوج توترها إثر أحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) وتورط 15 شاباً سعودياً فيها.
يقول الذيابي:" العلاقات السعودية – الأميركية كانت في حاجة إلى فتح الملفات الثنائية والمصالح المشتركة بعيداً من المصالح الاقليمية والدولية والبدء في تأسيس علاقات تمزج بين صداقة الماضي ومتطلبات الحاضر للخروج بعلاقات قوية مختلفة تؤسس لزمن قادم لا تؤثر فيه عوامل التعرية".
ويضيف:" أعتقد ان تلك العلاقات لو لم تكن مبنية على الصداقة والاحترام المتبادلين فلن تكون قادرة على مواجهة عاصفة الاتهامات والضغوط المستمرة من الصديق الاميركي ضد الحليف السعودي الاستراتيجي. ولعلنا نتذكر كيف كانت المرحلة اللاحقة ليوم "الثلثاء الأسود" ووصفها بالزلزال الذي نسف علاقات البلدين إلى الأبد، عندما نتذكر كيف كان الرأي العام ووسائل الاعلام الاميركية عقب تلك الأحداث، وكيف كان معظم الاميركيين يشيرون إلى ان العدو الأول لبلادهم هو السعودية، والمطالبات بعدم استقبال السعوديين على أراضي بلادهم ومنعهم من دخول أميركا لأنهم "عقول إرهابية تنتج أجساداً انتحارية".
ووفقاً لما يراه مراقبون دوليون فإن زيارة ولي العهد السعودي الأمير عبدالله بن عبدالعزبز الأخيرة إلى واشنطن قد أحدثت إختراقاً لافتاً على صعيد الساحة الأميركية،إستطاع إثره أن يعود بالعلاقات السعودية الأميركية إلى سابق عهدها، بل وأن تصبح أكثر رسوخاً .
كما أُعلن أن المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة قد شكلتا لجنة مشتركة، سترأسها الوزيرة رايس ووزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل لمناقشة تشكيلة من القضايا الاستراتيجية التي تهم الطرفين.
و ناقش بوش والأمير عبد الله أيضاً الجهود الرامية إلى تحقيق السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، بما في ذلك فك الارتباط الإسرائيلي المُزمع من غزة وبعض المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية (خطة الفصل).
وكان التركيز إلى حد كبير حول ما يمكن القيام به لمساعدة الفلسطينيين على التمكن من إنشاء مؤسسات دولة ديمقراطية مستعدة لتولي مسؤولية المناطق التي سيحصلون عليها، على أن تكون لديهم القدرة على تولي السلطة لدى خروج الإسرائيليين منها حسب ما أورده مسؤولون أميركيون.
وشاهد الأميركيون ولي العهد السعودي ويداه موثقتان بيدي بوش تعلو ثغريهما إبتسامة تدل على الرضا، وهما يسيران جنباً إلى جنب في مزرعة بوش حيث تُصاغ العلاقات من جديد.
ويمضي الذيابي في حديثه: "علينا ان نتذكر ان المملكة تتمتع بمؤهلات اللاعب الرئيس والثقل السياسي للدول العربية والعالم الإسلامي، اضافة إلى مؤهلات جيو سياسية، عسكرية، وبترولية، وهو ما يجعلها في كفة الميزان المرجح دائماً، ما يتطلب الحفاظ على العلاقات الوطيدة معها واعتبارها الشريك الاستراتيجي الأهم للولايات المتحدة في المنطقة، وهو ما يوجب على واشنطن الحفاظ على الصديق السعودي واستمرار التشاور والتعاون الوثيق معه. ويراهن كثير من المحللين السياسيين الذين هم على معرفة ودراية بمنطقة الشرق الأوسط، على ان الولايات المتحدة لن تستطيع معالجة التحديات وقضايا العالمين العربي والإسلامي من دون التعاون الوثيق مع السعودية. فهي الدولة التي تحتضن قبلة أكثر من بليون مسلم، وبها الأماكن الاسلامية المقدسة (مكة والمدينة)، اضافة إلى انها تشكل الثقل السياسي ورمز الاعتدال والاستقرار والوضوح في منطقة الشرق الأوسط، كما أن تحقيق السلم الدائم في المنطقة لا يمكن ان يتم من دون مشاركة الدبلوماسية والديناميكية السياسية السعودية".
ويخلص إلى أن :"البيان السعودي - الأميركي المشترك الأخير جاء ايجابياً شاملاً وكاملاً ومفصلاً، منصفاً ومحققاً للمطالب السعودية أكثر من الأميركية، ولربما يعود ذلك إلى اسباب عدة من وجهة نظري البسيطة. أولاً: السعودية تقع في قلب "ازمات المنطقة"، ومنها انطلقت مبادرة السلام العربية التي أعلنها الأمير عبدالله قبل نحو ثلاث سنوات لإنهاء الصراع العربي – الفلسطيني. والرياض كانت وما زالت الدولة القادرة على القيام بالدور المحوري في النزاعات ولنتذكر: افغانستان، الحرب العراقية - الإيرانية، حرب تحرير الكويت، الاستقرار في باكستان، قضية كشمير، خطر الحرب النووية بين الهند وباكستان، وأخيراً الحرب على الارهاب، والدور السعودي في الأزمة اللبنانية - اللبنانية واللبنانية - السورية. في لقاء الأمير عبدالله والرئيس بوش الأخير وضعت بصراحة وشفافية المصالح الوطنية لواشنطن والرياض أولاَ، ثم كشفت الأوراق بطرق مسؤولة، للخروج بزيادة التعاون في المجالات السياسية والاقتصادية والبترولية والأمنية والعسكرية والثقافية، والتلاحم بين الشعبين لإعادة بناء الثقة للحفاظ على العلاقة في شكل قوي يضمن حفظ امن واستقرار المنطقة. ودعم انضمام المملكة إلى منظمة التجارة العالمية. واعتقد ان المرحلة المقبلة في علاقات البلدين ستكون أفضل وأكثر رسوخاً لما يحقق الاستقرار والنماء والتطوير في المنطقة برمتها".
الرسائل المتبادلة بين الملك عبد العزيزوالرئيس روزفلت حول فلسطين
وفي الرابع عشر من تشرين الأول(أكتوبر) سنة 1938م نشرت وزارة الخارجية الأميركية بيانا أوضحت فيه موقف حكومة الولايات المتحدة من الأحداث الجارية في فلسطين حينذاك. وقد عبّرت في بيانها عن تأييد أميركا لقيام الوطن القومي اليهودي في فلسطين مشيرة إلى الدور القيادي الذي لعبه الأميركيون تفكيرا وتمويلا من أجل إنشاء ذلك الوطن وتقدمه.
وحين علم الملك عبد العزيز بذلك البيان بعث رسالة إلى الرئيس روزفلت عن طريق القائم بأعمال المفوضية الأميركية في القاهرة هذا نصها:
"فخامة الرئيس. لقد اطلعنا على ما نشر عن موقف حكومة الولايات المتحدة الأميركية الخاص بمناصرة اليهود في فلسطين. ونظرا لثقتنا في محبتكم للحق والعدل، وفي تمسك الشعب الأميركي بالتقاليد الديمقراطية الأساسية المبنية على تأييد الحق والعدل ونصرة الشعوب المغلوبة، ونظرا للصلات الودية القائمة بين مملكتنا وحكومة الولايات المتحدة نود أن نلفت نظركم، يا فخامة الرئيس، إلى قضية العرب في فلسطين وحقوقهم المشروعة فيها. ولدينا ثقة تامة في أن بياننا سيوضح لكم وللشعب الأميركي قضية العرب العادلة في تلك البلاد المقدسة.
لقد ظهر لنا من البيان الذي نشر عن الموقف الأميركي أن قضية فلسطين قد نُظر إليها من وجهة نظر واحدة، هي وجهة نظر اليهود الصهاينة، وأهملت وجهات نظر العرب. وقد لاحظنا من آثار الدعايات اليهودية الواسعة الانتشار أن الشعب الأميركي الديمقراطي قد ضلل تضليلا كبيرا أدى إلى اعتبار تأييد اليهود في سحق العرب في فلسطين عملا إنسانيا. ومع أن هذا ظلم موجه ضد شعب مسالم يعيش في بلاده فإن الفلسطينيين لم يفقدوا الثقة في عدالة الرأي العام الديمقراطي في العالم كافة وفي أميركا خاصة. وإني لواثق من أن حقوق العرب في فلسطين إذا اتضحت لفخامتكم وللشعب الأميركي فإنكم ستؤيدونها حق التأييد.
إن الحجة التي اعتمد عليها اليهود في ادعاءاتهم بشأن فلسطين هي أنهم استوطنوها فترة من الزمن القديم وأنهم تشتتوا في بلاد العالم المختلفة، وأنهم يودون أن يوجدوا لهم مكان تجمّع في فلسطين يمكنهم أن يعيشوا فيه بحرية. ويستندون في عملهم الى وعد تلقّوه من الحكومة البريطانية يسمى وعد بلفور.
أما دعوى اليهود التاريخية فإنه لا يوجد ما يبررها لأن فلسطين كانت وما زالت مسكونة بالعرب خلال كل الفترات التاريخية المتعاقبة، وكان الحكم فيها لهم. وإذا استثنينا الفترة التي أقامها اليهود فيها، والمدة التي سيطرت فيها الإمبراطورية الرومانية عليها، فإن سلطان العرب على فلسطين كان منذ أقدم العصور حتى الوقت الحاضر. وكان العرب في كل فترات وجودهم محافظين على الأماكن المقدسة، معظِّمين لوضعها، محترمين لقدسيتها، قائمين بشؤونها بكل أمانة وإخلاص. ولما امتد الحكم العثماني على فلسطين كان النفوذ العربي مسيطرا، ولم يشعر العرب أبدا أن الأتراك كانوا قوة مستعمرة في بلادهم، وذلك لما يلي:
1- وحدة الرابطة الدينية.
2- شعور العرب بأنهم شركاء للأتراك في الحكم.
3- كون الإدارة المحلية للحكم في أيدي أبناء البلاد أنفسهم.
فمما ذكر يتبين أن دعوى اليهود بحقهم في فلسطين، استنادا إلى التاريخ، لا حقيقة لها؛ لأن اليهود إذا كانوا قد استوطنوا فلسطين مدة معينة بصفتهم مستولين عليها فإن العرب قد استوطنوها مدة أطول بكثير من تلك، ولا يمكن أن يعتبر استيلاء شعب على بلد من البلدان حقا طبيعيا يبرر مطالبته به. ولو أخذ بهذا المبدأ في الوقت الحاضر لحق لكل شعب أن يطالب بالبلدان التي سبق له أن استولى عليها بالقوة في فترة معينة. وذلك سيؤدي إلى تغييرات مذهلة في خريطة العالم مما لا يتلاءم مع الحق ولا مع العدل أو الإنصاف.
أما بالنسبة الى دعوى اليهود الأخرى التي يستدرون بها عطف العالم فهي أنهم مشتتون ومضطهدون في بلدان مختلفة، وأنهم يودون أن يجدوا مكانا يأوون إليه ليأمنوا من الظلم الذي يواجهونه في كثير من البلدان. والمهم في هذا الأمر أن يفرّق بين قضية اليهود أو اللاسامية في العالم وبين مسألة الصهيونية السياسية. وإذا كان المقصود العطف على اليهود المشتتين فإن فلسطين بلاد صغيرة، وقد استوعبت عددا كبيرا منهم يفوق ما استوعبه أي بلد من بلدان العالم إذا قورنت مساحتها بمساحات الدول الأخرى التي يقيم اليهود فيها. وليس من الممكن أن تتسع مساحة ضيقة كفلسطين لجميع يهود العالم حتى لو فُرض أنها خالية من سكانها العرب (كما قال السيد مالكولم ماكدونالد في الخطاب الذي ألقاه مؤخرا في مجلس العموم البريطاني). فإذا قُبل مبدأ بقاء اليهود الموجودين الآن في فلسطين فإن هذه البلاد الصغيرة قد قامت فعلا بعمل إنساني لم يقم بمثله غيرها. وترون، يا فخامة الرئيس أنه ليس من العدل أن تسدّ حكومات العالم- ومن بينها الولايات المتحدة- أبوابها أمام هجرة اليهود وتفرض على فلسطين، البلد العربي الصغير، مهمة استيعابهم.
وأما إذا نظرنا إلى القضية من وجهة نظر الصهيونية السياسية فإن وجهة النظر هذه تمثل ناحية ظالمة غاشمة هدفها القضاء على شعب آمن مطمئن وطرده من بلاده بشتى الوسائل، وإشباع النهم السياسي والطمع الشخصي لقليل من الصهاينة. وأما استناد اليهود إلى وعد بلفور فإن ذلك الوعد كان جورا وظلما لبلاد مسالمة مطمئنة. وقد أعطي من قِبَل حكومة لم تكن تملك حين إعطائه حق فرضه على فلسطين، كما أن عرب فلسطين لم يؤخذ رأيهم فيه ولا في إجراءات الانتداب الذي فرض عليهم، كما وضّحه مالكولم ماكدونالد وزير المستعمرات البريطانية. وكان ذلك رغم الوعود التي بذلها الحلفاء، وبينهم أميركا، لهم بحق تقرير المصير. ومن المهم أن نُذكِّر بأن وعد بلفور كان مسبوقا بوعد آخر من الحكومة البريطانية، بمعرفة الحلفاء، بحق العرب في فلسطين وفي غيرها من البلدان العربية الأخرى.
ومن هذا يتبين لكم، يا فخامة الرئيس، أن حجة اليهود التاريخية باطلة، ولا يمكن اعتبارها. أما دعواهم من الوجهة الإنسانية فقد قامت بها فلسطين أكثر من أي بلد آخر. ووعد بلفور الذي يستندون إليه مخالف للحق والعدل ومناقض لمبدأ تقرير المصير. وإن أطماع الصهاينة تجعل العرب في جميع الأقطار يخشون منها وتدعوهم إلى مقاومتها.
أما حقوق العرب في فلسطين فلا تقبل المجادلة؛ لأن فلسطين بلادهم منذ أقدم العصور، ولم يغادروها أو يطردوا منها. وكانت من الأماكن التي ازدهرت فيها الحضارة العربية ازدهارا يدعو إلى الإعجاب. ولذلك فهي عربية أصلا ولغة وموقعا وحضارة، وليس في ذلك أي شبهة أو غموض. وتاريخ العرب مليء بالأحكام العادلة والأعمال النافعة.
وحينما قامت الحرب العالمية الكبرى انضم العرب إلى الحلفاء أملا في الحصول على استقلالهم، وكانوا على ثقة تامة من أنهم سينالونه بعد الحرب للأسباب الآتية:
1- لأنهم اشتركوا بالحرب فعلا، وضحّوا بأنفسهم وأموالهم.
2- لأنهم وُعدوا بذلك من قِبَل الحكومة البريطانية في المراسلات التي دارت بين ممثلها حينذاك، السير هنري مكماهون، والشريف حسين.
3- لأن سلفكم العظيم، الرئيس ولسون، قرر دخول الولايات المتحدة الأميركية الحرب إلى جانب الحلفاء نصرة للمبادئ الإنسانية الرفيعة التي كانت من أهمها حق تقرير المصير.
4- لأن الحلفاء صرّحوا في تشرين الثاني(نوفمبر) سنة 1918م عقب احتلالهم البلدان، أنهم دخلوها لتحريرها وإعطاء شعوبها حريتهم واستقلالهم.
وإذا رجعتـــم، يا فخامـــة الرئيــس، إلى التقرير الذي قدمته لجنــة التحقيــق التي أرسلها سلفكم الرئيس ولسون إلى الشرق الأدنى عام 1919م ستجدون المطالب التي طلبها العرب في فلسطين وسورية حينما سئلــوا عن المصير الذي يطلبونــه لأنفسهم.
لكن العرب، لسوء الحظ، وجدوا بعد الحرب أنهم قد خُدعوا، وأن الأماني التي وعدوا بها لم تحقق. فقد قُسّمت بلادهم تقسيما جائرا، ووضعت لهذه الأقسام حدود مصطنعة لا تبررها الحقائق الجغرافية أو القومية أو الدينية. وبالإضافة إلى ذلك وجدوا أنفسهم أمام خطر عظيم جدا، وهو خطر غزو الصهاينة لهم واستملاكهم لأغلى أراضيهم.
ولقد احتج العرب بشدة حينما علموا بوعد بلفور، كما احتجوا بشدة على نظام الانتداب، وأعلنوا رفضهم له وعدم قبولهم به منذ اليوم الأول. وكان تدفق الهجرة اليهودية من أقطار مختلفة إلى فلسطين مدعاة لتخوّف العرب على حياتهم ومصيرهم فقامت ثورات واضطرابات عديدة في فلسطين سنة 1920م، 1921م 1929م، وكان أهم تلك الثورات ثورة عام 1936م التي لا تزال نارها مستعرة حتى هذه الساعة.
يا فخامة الرئيس، إن عرب فلسطين ومن ورائهم سائر العرب، بل وسائر العالم الإسلامي يطالبون بحقوقهم ويدافعون عن بلادهم من الدخلاء عليها وعليهم. ومن المستحيل إقرار السلام في فلسطين ما لم ينل العرب حقوقهم ويتأكدوا من أن بلادهم لن تُعطى إلى شعب غريب تختلف مبادؤه وأهدافه وعاداته عن مبادئهم وأهدافهم وعاداتهم في كل شيء. ولذا فإننا نهيب بكم ونناشدكم، يا فخامة الرئيس، باسم العدل والحرية ونصرة الشعوب الضعيفة التي اشتهر بها الشعب الأميركي النبيل أن تتكرموا بالنظر في قضية عرب فلسطين، وأن تساعدوا أولئك الذين يعيشون في سلام وهدوء رغم الهجمات الواقعة عليهم من قِبَل تلك الجماعات المشرّدة من كل أجزاء العالم. إذ ليس من العدل أن يطرد اليهود من جميع أقطار العالم المختلفة وأن تتحمل فلسطين الضعيفة المغلوبة على أمرها هذا الشعب برمته. ولا نشك في أن المبادئ السامية التي يعتنقها الشعب الأميركي ستجعله يذعن للحق ويناصر العدل والإنصاف.
حرر في قصرنا في الرياض في اليوم السابع من شهر شوال سنة سبع وخمسين بعد الثلاثمائة والألف هجرية، الموافق تسعا وعشرين من نوفمبر سنة ثماني وثلاثين بعد التسعمائة والألف ميلادية.
عبد العزيز آل سعود
وقد رد الرئيس الأميركي روزفلت على هذه الرسالة برسالة هذا نصها:
"البيت الأبيض. واشنطن 9 من كانون الثاني(يناير) عام 1939م الموافق 16 ذو القعدة 1357هـ.
حضرة صاحب الجلالة الملك عبد العزيز بن سعود ملك المملكة العربية السعودية
صاحب الجلالة:
لقد سرّني كثيرا أن استلمت رسالة جلالتكم المؤرخة في 29 من تشرين الثاني( نوفمبر) عام 1938م التي سلّمها القائم بأعمال المفوضية العربية السعودية في القاهرة في 6 من كانون الأول(ديسمبر) إلى القائم بأعمال المفوضية الأميركية هناك بشأن قضية العرب في فلسطين.
ولا يخفى على جلالتكم أن الحالة الفلسطينية قد استرعت اهتمام الشعب الأميركي طويلا. ولذلك فإني قد قرأت رسالة جلالتكم التي كرستموها لهذا الموضوع باهتمام خاص.
إن اهتمام الشعب الأميركي بفلسطين يرتكز على عدة اعتبارات؛ منها ما هو ذو صبغة روحية، ومنها ما هو ناشئ عن الحقوق التي نالتها الولايات المتحدة في فلسطين من الاتفاقية الأميركية البريطانية الخاصة بالانتداب في فلسطين المؤرخة في 3 من كانون الأول(ديسمبر) سنة 1924م.
وقد تبين موقف الولايات المتحدة بشأن فلسطين في بيان عام أصدرته وزارة الخارجية في 14 من تشرين الأول(أكتوبر) سنة 1938م والذي يسرّني أن أبعث لجلالتكم بصورة منه.
ويمكنني أن أضيف إلى ذلك أن هذه الحكومة لم تتخذ أبدا أي موقف مخالف لما تمسكت به منذ البداية تجاه هذا الموضوع.
صديقكم الحميم فرانكلين روزفلت
وبعد ذلك بسنوات بعث الملك عبد العزيز إلى الرئيس روزفلت الرسالة التالية:
"من عبد العزيز بن الرحمن الفيصل- ملك المملكة العربية السعودية- إلى فخامة الرئيس روزفلت رئيس جمهورية الولايات المتحدة الأميركية.
صاحب الفخامة
في هذه الحرب العالمية العظيمة التي تبذل فيها الأمم دماءها وتنفق ثرواتها دفاعا عن الحرية والاستقلال، وفي هذه الحرب التي أعلنت فيها المبادئ السامية، التي يحارب من أجلها الحلفاء في ميثاق الأطلنطي، وفي هذا الصراع الذي أهاب فيه زعماء كل بلد بشعوبهم وبحلفائهم وأصدقائهم أن يقفوا معهم في صراعهم من أجل الحياة، راعني، كما راع المسلمين والعرب، أن تنتهز مجموعة من الصهاينة فرصة هذه الأزمة الصعبة فتقوم بدعاية واسعة النطاق تهدف بها إلى تضليل الرأي العام الأميركي من جهة والضغط على دول الحلفاء في هذا الوقت الحرج من جهة ثانية لحملها على الخروج على مبادئ الحق والعدل والمساواة التي أعلنتها والتي تقاتل من أجلها، وهي حرية الشعوب واستقلالها. وقد أراد اليهود بعملهم هذا أن يحملوا الحلفاء على مساعدتهم في القضاء على العرب المسالمين الذين يعيشون في فلسطين منذ آلاف السنين. إنهم يريدون أن يخرجوا هذا الشعب النبيل من موطنه وأن يحلّوا اليهود من جميع الآفاق في هذا الوطن العربي الإسلامي المقدّس. وأي ظلم فادح فاضح سوف ينتج- لا قدّر الله- عن هذا الصراع العالمي إذا أتى الحلفاء في آخره ليكللوا ظفرهم المقبل بإخراج العرب من ديارهم في فلسطين ويحلوا محلهم شراذم اليهود الذين لا تربطهم بهذا الوطن أي رابطة غير دعوى خيالية لا أصل لها في نظر الحق والعدل إلا ما يحيكونه بالخداع والغش، منتهزين بذلك فرصة وضع الحلفاء الحرج ومنتهزين فرصة جهل الشعب الأميركي بحقيقة قضية العرب عامة وقضية فلسطين خاصة.
لقد كتبت لفخامتكم بتاريخ 7 من شوال 1357هـ الموافق 19 من تشرين الثاني(نوفمبر) 1938م رسالة أوضحت فيها حقيقة الأمر بين العرب واليهود في فلسطين. وإذا رجع فخامتكم إلى تلك الرسالة ستجدون فيها أنه لا يوجد أي حق لليهود في فلسطين، وأن دعواهم أمر باطل لم يسجل تاريخ البشرية له مثيلا. ففلسطين تخص العرب منذ فجر التاريخ، وهي في وسط الأقطار العربية. ولم يسكنها اليهود إلا فترة من الزمن كان أكثرها مليئا بالمجازر والمآسي. ثم أجلوا عنها. والآن يراد أن يعادوا إليها. وبهذا سيظلم اليهود العرب المسالمين الآمنين. تكاد السموات تتفطر وتنشق الأرض وتخرّ الجبال هدا من كل ما يدّعيه اليهود في فلسطين دنيا ودينا.
وبعد أن أرسلت إلى فخامتكم رسالتي المشار إليها كنت أعتقد، ولا أزال أعتقد، أن حق العرب في فلسطين قد اتضح لكم؛ لأني لم أر في جوابكم لي بتاريخ 9 من كانون الثاني(يناير) سنة 1939م أنكم لاحظتم أي ملاحظة على الحقائق التي ذكرتها في رسالتي السابقة. وكنت أودّ أن لا أضيع وقت فخامتكم وأوقات رجال حكومته بهذه القضية في هذا الوقت الحرج، لكن الأنباء المتواترة عن عدم تورّع هؤلاء الصهاينة في إثارة دعواهم الظالمة الخاطئة هي التي جعلتني أذكّر فخامتكم بحقوق المسلمين والعرب في البلاد المقدسة لتمنعوا هذا الظلم، وليكون بياني لفخامتكم عونا على إقناع الأميركيين بحقوق العرب في فلسطين، ويدرك الأميركيون- الذين يريد اليهود الصهاينة بالدعاية أن يضللوهم- الحقائق الواقعة فيساعدوا العرب المظلومين، ويكللوا جهودهم الحاضرة بإقامة الحق، والعدل في كل أنحاء العالم.
وإذا تركنا جانبا العداوة الدينية بين المسلمين واليهود منذ ظهور الإسلام، والتي كان سببها تصرّف اليهود الغادر تجاه المسلمين ونبيهم، وإذا تركنا كل ذلك جانبا ونظرنا إلى قضية اليهود من الناحية الإنسانية البحتة وجدنا الأمر كما ذكرته في رسالتي السابقة من أن فلسطين، باعتراف كل من عرفها من سائر أبناء البشر، لا تستطيع أن تحلّ المشكلة اليهودية. ولقد فرضنا أن هذه البلاد تعرضت للظلم بكل صوره، وأن كل عرب فلسطين، رجالا ونساء وأطفالا قتلوا وأخذت أراضيهم وسلّمت كلها لليهود فإن ذلك لن يحل المشكلة اليهودية ولن تكون هناك أرض كافية لليهود. فلماذا إذن يراد القيام بهذا الظلم الفريد في تاريخ البشرية إذا علم بأنه لن يؤدي إلى نتيجة مرضية لقتلة المستقبل ونعني بهم اليهود؟
لقد ذكرت لفخامتكم في رسالتي السابقة أننا إذا نظرنا إلى الموضوع من وجهة نظر إنسانية فسنجد أن البلاد الصغيرة المسمّاة فلسطين قد جلب إليها عند بداية الحرب الحالية حوالي أربعمئة ألف يهودي. وكانت نسبة اليهود إلى السكان عند نهاية الحرب العالمية الأولى 7% فقط. لكن هذه النسبة زادت حتى وصلت قبيل بدء الحرب الحالية إلى 29%، وما زالت هذه الزيادة مستمرة، ولا ندري أين ستتوقف. لكننا نعلم أن اليهود قبل الحرب بقليل يمتلكون 1,000,332 دونما من أصل 7,000,000 دونم من الأراضي الصالحة للزراعة في فلسطين جميعها.
إننا لا ننوي القضاء على اليهود ولا نطالب بذلك، ولكننا نطالب بأن لا يقضى على العرب من أجل اليهود. إن العالم يجب أن لا يضيق عن استيعاب اليهـود. فالحق لو أن كل بلد من بلدان الحلفاء تحمّل عشر ما تحملته فلسطين لأمكن حلّ المشكلة اليهودية وإسكانهم. وكل ما نرجوه الآن مساعدتكم في إيقاف سيل الهجرة بإيجاد مكان يعيش فيه اليهود غير فلسطين، ومنع بيع أراضيها عليهم منعا باتا. وبعد ذلك ينظر الحلفاء والعرب في موضوع تأمين إسكان أولئك اليهود الذين يمكن أن تتحملهم فلسطين من اليهود المقيمين فيها الآن.
وإني إذ أكتب إلى فخامتكم هذه الرسالة لواثق بأنكم ستقبلون رجاء صديق يشعر بأنكم تقدّرون الصداقة كما تقدّرون الحق والعدل والمساواة، ويعلم أن أعظم أمل للشعب الأميركي أن يخرج من هذا الصراع العالمي فرحا بانتصار المبادئ التي يقاتل من أجلها، وهي تأكيد حرية كل شعب وإعطاؤه حقوقه؛ لأنه- لا سمح الله- لو أعطي اليهود بغيتهم فإن فلسطين ستبقى إلى الأبد مقرا لفتن واضطرابات كما حدث في الماضي. وسوف يسبب هذا مشاكل للحلفاء عامة ولصديقتنا بريطانيا العظمى خاصة. وإن اليهود، بما أوتوا من قوة في المال والعلم، قادرون على إثارة العداوة بين العرب والحلفاء في أي لحظة. وقد كانوا سبب كثير من المشاكل في الماضي.
وكل ما نحرص عليه الآن أن يسود الحق والعدل في حل المشاكل المختلفة التي ستظهر بعد الحرب وأن تكون العلاقات بين العرب والحلفاء دائما أقوى وأحسن ما يكون.
وفي الختام أرجو أن تتقبلوا فائق تحياتي.
كتب في مخيمنا في روضة خريم في اليوم الخامس والعشرين من شهر ربيع الثاني سنة اثنتين وستين بعد الثلاثمائة والألف هجرية الموافق لليوم الثلاثين من شهر أبريل سنة ثلاث وأربعين بعد التسعمائة والألف ميلادية.
عبد العزيز
وقد أجاب الرئيس روزفلت الملك عبد العزيز بالرسالة التالية:
"في 15 من تموز(يوليو) عام 1943م الموافق 19 من رجب 1362هـ".
حضرة صاحب الجلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود- ملك المملكة العربية السعودية- الرياض.
أيها الصديق العظيم:
لقد تلقيت رسالة جلالتكم المؤرخة في 30 من أبريل عام 1943م المتعلقة بالشؤون التي تمس فلسطين، وإني أقدّر روح الصداقة التي أبديتموها في إعرابكم عن هذه الآراء. ولقد لاحظت بعناية الآراء الواردة في هذه الرسالة، وكذلك تلك التي اشتملت عليها رسالة جلالتكم المؤرخة في 29 من تشرين الثاني(نوفمبر) عام 1938م والرسالة الشفوية التي حملها السيد كيرك، الوزير الأميركي في نهاية زيارته الأخيرة إلى الرياض، ولا شك أن جلالتكم قد تلقيتم رسالتي التي بلّغها السيد موسى إلى سمو الأمير فيصل. وكما ذكرت في تلك الرسالة يبدو لي من المرغوب فيه للغاية أن العرب واليهود ممن تهمهم المسألة يتفاهمون تفاهما وديا في ما يتعلق بفلسطين، وذلك بمساعيهم الخاصة قبل نهاية الحرب، وإني لسعيد بهذه الفرصة، على أي حال، لأعيد تأكيدي بأن وجهة نظر حكومة الولايات المتحدة أن لا يتخذ أي قرار يغير الوضع الأساسي الفلسطيني دون التشاور الكامل مع كل من العرب واليهود.
وفي الختام أكرر التعبير عن أطيب التمنيات لدوام صحة جلالتكم والرفاهية لشعبكم.
صديقكم المخلص فرانكلين.دي.روزفلت













التعليقات