بعد غياب استمرّ أكثر من عقدين من الزمن تفتقت منابع المياه من جديد في منطقة تيفريت الجزائرية، وسمح ذلك بانبعاث شلالاتها الرائعة من على علو مائة متر وخلق منظر طبيعي يتراقص في جمال وخيلاء على طول مناظر سهبية تطلّ على واحة مختبئة وسط التلال تسر الناظرين.


كامل الشيرازي من الجزائر:على مبعدة 30 كيلومترا عن محافظة سعيدة (400 كلم غرب الجزائر)، يستطيع الزائر لمنطقة تيفريت الساحرة، الاستمتاع بمناظر خلابة تمنحها هذه الشلالات في رونق أخاذ افتقده السكان المحليون منذ سنوات طويلة، وتحتاج مناظر تيفريت إلى أنامل رسامين موهوبين ذوي قدرات فائقة على مجاراة بهاء المكان وبدائعه، ويقول محمد (27 سنة) أحد عشاق تيفريت، أنّ هذا المكان الجميل وشلالاته المتدفقة في انسياب، تسمح للمرء بالتوقف برهة للتأمل في ما تجود به الطبيعة من روائع تزهو لها النفوس وتتفتح معها قرائح المبدعين.

ولعل أكثر ما يخطف الأبصار، تلك الألوان الزاهية التي تميز الغطاء النباتي لمنطقة تيفريت، هذه الأخيرة تتكون أساسا من أشجار البلوط الأخضر والتين فضلا عن بساط مرصع بأزهار الأقحوان الحمراء تتجانس بشكل ملفت مع اللون اللؤلئي لمياه الشلالات المتدفقة بسرعة كبيرة من أعلى منحدرات حمراء أرجوانية، علما أنّ هذه الشلالات يُطلق عليها محليا مسمى quot;مشتت ماهquot;.
وظلت شلالات تيفريت رهينة نضوب مزمن لأهم منابعها، وهو ما تربطه مراجع محلية بحالة الجفاف التي ألقت بظلالها هناك قبل سنوات، وسمح الغيث الوفير الذي تهاطل في الأعوام القليلة المنقضية، إلى جانب تشديد الإجراءات الخاصة بحماية الطبقة الجوفية من الاستغلال اللاعقلاني للمياه، باسترجاع روح هذه الشلالات.

وتعرف تيفريت إقبالا كبيرا خاصة في الإجازات الأسبوعية، حيث يشهد هذا المكان الهادئ، قدوم الآلاف من عشاق الطبيعة والهائمين بمتعة الفسحة وقطف بعض أصناف الفطر الطيبة المذاق التي تعج بها المنطقة، وهناك من يجدّ في الظفر بنباتات تستعمل كمستحضرات علاجية تقليدية.

ولا يعتبر السير عبر الدروب الوعرة المؤدية حتى شلالات تيفريت، أمرا هينا، حيث يتطلب ذلك لياقة بدنية عالية لتسلق مئات الأمتار، ويشير نبيل، شوقي، وحسين أنّ المشقة ضرورية، طالما أنّ ذلك يبقى السبيل الوحيد لاكتشاف مناظر طبيعية رائعة تحبس الأنفاس وتساعد على التمتع بهواء منعش مشبع برذاذ الماء المتأثر نتيجة ارتطام كميات هائلة من المياه بالصخور الموجودة أسفل الشلالات.
وتسعى السلطات الجزائرية إلى استغلال شلالات تيفريت في النهوض بالمنظومة السياحية، خصوصا مع اشتمال هذه الشلالات على نظام بيئي متنوع يختزن ثروة هامة من أشجار البطم الأطلسي والصنوبر الحلبي والكاليتوس، إضافة إلى ما يتصل بها من نقوش صخرية ومآثر القصور القديمة، ناهيك عن المغارات وعديد الحفريات والجداريات التي تدل على تواجد الإنسان القديم بالمنطقة، فضلا عما توفره شلالات تيفريت من فرصة الاستفادة من الأنشطة الحموية والاستمتاع بجمال المنطقة ورطوبتها وممارسة رياضة تسلق الجبال والتجوال عبر الدراجات الهوائية الملائمة لكافة الميادين.

من جهتها، تعدّ مغارات quot;تيفريتquot; المتواجدة ببلدة عين السلطان بمحافظة سعيدة، منمنمة تاريخية يعود تاريخها إلى فترة ما قبل التاريخ، ويقول دارسون أنّ هذا الموقع الأثري الاستثنائي كان مهدا لعدة تجمعات بشرية ترجع إلى فترات زمنية غابرة.

واكتشفت مغارات quot;تيفريتquot; لأول مرة سنة 1892 من طرف عالمي الآثار الفرنسيين دوميرغ وبواتيي، وقام العالمان حينئذ باستكشاف أكبر ثلاث فجوات بـquot; وادي جديانquot; بالمنطقة ذاتها، نقلت تفاصيلها إلى الجرد الخاص بفترة ما قبل التاريخ حول فخاريات تيفريت.

وأعانت أبحاث أثرية على اكتشاف أكثر من سبعة كهوف تتميز بطبقات أثرية سميكة وتضم الكثير من الأغراض التي ترجع إلى فترة ما قبل التاريخ، مع العلم أنّ كثرة المغارات والكهوف من نفس الحقبة التاريخية، تمّ اكتشافها عن طريق الصدفة، وعلى سطح هذه الكهوف تم العثور على أحجار السلكس المكشوطة وبقايا عظام وأواني فخارية نادرة، كما يحمل أحد جدران هذه المغارات رسومات مثيرة للاهتمام تمثل نعامات وأبقارا فضلا عن الغزلان.