في فصل جديد من حرب الذاكرة بين الجزائر وفرنسا، دعت مئات الجمعيات الفرنسية إلى ترسيم الخامس تموز/يوليو عيدا وطنيا للحركى (يتعلق الأمر بالجزائريين الذين قاتلوا إلى جانب فرنسا ضدّ وطنهم الأمّ في ثورة التحرير 1954 - 1962)، ما شكّل استفزازا صريحا للجزائر التي تحتفل بعيد استقلالها في هذا التاريخ من كل سنة.

لقاء سابق جمع الرئيس بوتفليقة بالوزير الأول الفرنسي فرنسوا فيون

الجزائر: أبدى ساسة ومراقبون في تصريحات خاصة بـ(إيلاف)، تصميما على تصعيد الضغط ضدّ المحتل القديم لحمله على التراجع عن الدعوات بجعل الخامس تموز/يوليو عيدا وطنيا للجزائريين الذين قاتلوا إلى جانب فرنسا ضدّ وطنهم الأمّ في ثورة التحرير.

يشدّد الناشط السياسي quot;جمال بن عبد السلامquot; على أهمية تحريك الجزائر لأوراق رابحة ظلت غير مستعملة، لتطويع فرنسا، طالما أنّ المحتل القديم لا يمكنه إقامة علاقات طبيعية مع الجزائر، إلاّ مُرغما.

يعترف بن عبد السلام أنّ العيب كامن في مواطنيه وسلطات بلاده التي لم تذهب بعيدا في مسألة تجريم الاستعمار، ولم تضع شروطا لميثاق الصداقة الذي سعى إليه زعيم الإليزيه السابق quot;جاك شيراكquot; وأحبطه خلفه quot;نيكولا ساركوزيquot;.

بمقابل التزام السلطات للصمت، أوعز بن عبد السلام أنّ الجزائر لديها لوبي قوي في فرنسا لا بد أن تحركه، مستغلة حاجة فرنسا إليها لا العكس، ويبرز الوجه الإسلامي الشاب، الكتلة الانتخابية القوية التي تمتلكها الجزائر في فرنسا، وهي ورقة يمكنها ترجيح كفة أي طرف هناك.

كما يلّح بن عبد السلام على تشكيل لوبي جزائري ضاغط في فرنسا، تنخرط فيه كل القوى بألوانها الدبلوماسية، الحزبية، الجمعوية والإعلامية، على نحو تخضع معه فرنسا للمطالب الجزائرية القائمة على اعتراف بخطايا الكولونيالية، تقديم اعتذار رسمي، وإقرار تعويضات مادية لضحايا مجازر استمرت 132 عاما.

يشير الرئيس السابق لحركة الإصلاح، والحالي لـquot;جبهة الجزائر الجديدةquot; (حزب قيد التأسيس)، إلى أنّ السلوك الفرنسي الممعن في تمجيد من خانوا الجزائر بالأمس، مردّه النفحة الاستعمارية المتجذّرة بامتياز في فرنسا، على حد تعبيره، معتبرا أنّ هناك جهات فرنسية لم تصدق استقلال الجزائر.

ويذهب بن عبد السلام إلى أنّه في حال عدم تخلي فرنسا عن الفكر الاستعماري وذهنيتها الاستعلائية، فلن يمكن لعلاقات البلدين أن تسير أبدا إلى الأمام، وسيظلّ التذبذب سيدًا للموقف، حتى في حال صعود زعيم اليسار الفرنسي quot;فرانسوا هولاندquot; رئيسا في الانتخابات القادمة، على اعتبار أنّ مواقف اليسار تجاه الجزائر كانت دوما أقل حدة مقارنة باليمين، مثلما قال.

بدوره، ينادي quot;بوجمعة غشيرquot; رئيس الرابطة الجزائرية لحقوق الانسان، بتحريك حملة إعلامية ضدّ فرنسا، تكشف لا أخلاقية الخرجة الفرنسية، حيث يمكن لثوار الجزائر المخضرمين وآلاف ضحايا الاحتلال الفرنسي الذينما زالوا أحياء، أن يكشفوا عن تجاوزات الحركى وquot;مدى قذارةquot; هؤلاء الناس الذين تمجدهم فرنسا، على حدّ تعبيره.

ويركّز الحقوقي الجزائري البارز على أنّ تمجيد الحركى، يمسّ القيم الأخلاقية الفرنسية بالدرجة الأولى، فلا يُعقل إطلاقا تخصيص يوم للحركى، مبرزا أنّ الفرنسيين لا يحتفلون بالخونة الذين وقفوا مع ألمانيا في الحرب العالمية الثانية، مثلما أنّ باريس لا تحتفي بحكومة فيشي التي كانت موالية لنظام هتلر.

ويلفت غشير إلى أنّ ما صدر عن جمعيات فرنسية، يثير استفهامات عن مدى تطور العقلية الأوروبية مقارنة بالقرن التاسع عشر، حيث كان الغرب يسوّغ احتلالاته في خانة quot;تحضيرquot; المستعمرات، فكيف تبرر فرنسا الآن، تمجيدها الحركى الذين شاركوا في ارتكاب جرائم بشعة؟، ويلاحظ غشير أنّ اليمين المتطرف في فرنسا يحرص بمختلف الوسائل على إحياء نزعة استعمارية قديمة.

من جانبه، يشير quot;موسى تواتيquot; رئيس الجبهة الوطنية الجزائرية (حزب قومي معارض) إلى أنّ quot;الرعونةquot; الفرنسية تتطلب تصحيح مواقع ومواقف، بعيدا عن عارض التصعيد في اللهجة الذي لن يغيّر شيئا بمنظوره، ويحث تواتي الشعب الفرنسي ومؤسساته على احترام نظيره الجزائري في مواقفه وسيادته، وعدم الانسياق وراء مزيد من التطاولات.

من زاوية أخرى، يشير تواتي الذي حلّ ثالثا في رئاسيات 2009، إلى أنّ حزبه لا يعترف بالخامس من تموز/يوليو كعيد وطني للجزائر، ويرى أنّ تاريخ هذا العيد هو 19 آذار/ مارس، بحكم أنّه في هذا اليوم من سنة 1962، اعترفت فرنسا باستقلال الجزائر، وعليه يتساءل تواتي: quot;كيف يكون العيد الوطني في الخامس من يوليو الذي وضعت فيه فرنسا قدميها في الجزائر العام 1830، وظلّ الفرنسيون يواظبون على الاحتفال به احتفاء بسيطرتهم على الجزائر في ذاك التاريخquot;.

يُشار إلى أنّ quot; قدماء الحركىquot; طالبوا السلطات الفرنسية قبل فترة، التدخل لدى الجزائر، على نحو يمكّنهم من حرية التنقل بين فرنسا والجزائر، وهو ما يعدّ بمنظار متابعين quot;إمعانا في استفزاز مشاعر الشعب الجزائريquot;، بعد الذي تضمنه القانون الممجد للإستعمار الصادر سنة 2005، الذي نص على معاقبة أي شكل من أشكال القذف في حق الحركى الذين خانوا وطنهم الأصلي، quot; نظير ما قدموه للأمة الفرنسيةquot;، علما أنّ باريس تبنت ما سمته quot;ميثاق حقوق الحركىquot;.

ودأب هؤلاء على مطالبة الحكومات الفرنسية المتعاقبة بالاعتراف بمسؤولية فرنسا تجاههم، ويصرون على ضرورة استفادتهم من صفة quot;ضحايا الحربquot; لأبنائهم الذين ولدوا بعد ترحيل آبائهم من الجزائر في صيف 1962، مع الإشارة إلى أنّ السلطات الفرنسية كرّمت الحركى بتقليدهم أوسمة شرف، وتمكينهم من تقاضي منحة تساوي تلك التي يستفيد منها قدماء المحاربين الفرنسيين.