عبد الرحمن الماجدي من تالين: برز اسم دولة أستونيا بشكل واضح في الإعلام العربي حين أقدمت مجموعة مسلحة في سهل البقاع اللبناني على خطف سبعة سيّاح أستونيين، كانوا على دراجات هوائية آتين من سوريا في الثالث والعشرين من شهر آذار/مارس الماضي.
![]() |
| مدينة تالين القديمة (عدسة إيلاف) |
ولما يزل مصير هؤلاء المخطوفين مجهولاً، برغم ظهورهم في شريطي فيديو، يدعون في أحدهما عددًا من الزعماء العرب لإطلاق سراحهم. ولم تفلح جهود الأمن اللبناني في كشف مكان المخطوفين، برغم اعتقال عدد من المشتبه فيهم في منطقة الخطف. وحين تكون عربياً وتزور العاصمة الأستونية تالين هذه الأيام، فلا بد أن يطرح السؤال عن مصير المخطوفين الاستونيين في لبنان.
في عاصمة هذه الدولة الصغيرة، التي تبلغ مساحتها 45.226 كلم، يلتقي زائرها بثلاث حقب زمنية مرت عليها، وهي القرون الوسطى، حيث لما تزل معالمها في المدينة القديمة للعاصمة تالين، التي تضم معظم الفعاليات الثقافية وحتى السياسية. والفترة السوفيتية التي كانت فيها أستونيا واقعة تحت هيمنة موسكو، التي مازالت بصمتها في عدد من شوارع العاصمة الأستونية، ومحطة القطارات الوحيدة، قبل ان تنال استقلالها عام 1990، وتنضم إلى الامم المتحدة عام 1992. والفترة الأوروبية الحديثة، خاصة بعد انضمامها إلى الاتحاد الاوروبي عام 2004، وتتجلى هذه الفترة في الطفرة التقنية والعمرانية التي تتواصل الآن في مدينة تالين، التي يتركز فيها نحو ثلث السكان، الذين يبلغ
عددهم مليون و300 الف نسمة.
ثلاث حقب تأريخية تجتمع في تالين
وقد توجت العاصمة تالين هذا العام 2011 كعاصمة للثقافة الاوروبية، إذ يتواصل الكثير من فعالياتها، خاصة في المدينة القديمة ذات الطرقات المرصوفة بالحجر والبنايات، التي تشم فيها عبق القرن الثالث عشر الميلادي، حتى في طريقة التعامل مع الزوار داخلها. وقد اتخذت الحكومة مقرًا لها قبالة كارتدرائية الكسندر نيفيسكي داخل أسوار المدينة القديمة، التي يحيط بها نهر قديم ذو منحدر حاد، يليه منحدر أكثر حدة نحو سور قلاع المدينة، التي اتخذت هذه الوسيلة الدفاعية ضد الأعداء قديماً.
لا دينيون
تحدّ أستونيا روسيا من الشرق، ومن الجنوب جمهورية لاتفيا، تاركة لبحر البلطيق بقية حدودها، حيث تفصلها نحو 70 كم بالبحر عن فنلندا. في عام 2000 أكد ثلثا الشعب في
| نسبة اللادينيين في أستونيا بلغت نحو 70% من عدد السكان |
استفتاء عام أن الدين لاعلاقة له بحياتهم، حيث يفخرون بأنهم لا دينيين، وأن بلادهم تضم النسبة الأكبر من حيث عدد السكان من اللا دينيين في العالم. لكن ذلك لايعني عدم احترام الأقلية التي تبلغ نحو 30 % من المتدينين من مسيحيين ومسلمين ويهود.
وحين تسال أحد اللا دينيين عن معتقده، يقول لك إنه يؤمن بهذه الطبيعة، التي منحت هذه الأشجار جمالها، وإيثارها للناس والحيوانات وحتى الحشرات، وغير مستعد لممارسة طقوس، لا تغيّر في معتنقها شيئاً، ضاربًا لك مثلاً في ما يجري من عنف وقتل بين شعوب، معظمها من الدينيين.
![]() |
| الكنيسة السريةللكاثوليك الاوكرانيين في تالين |
لدى السؤال عن عدد الكنائس البارز في المدينة، يأتيك الجواب من الشابة quot;اينيquot; بأن الحديث عن الكنائس في تالين يعني الحديث عن روسيا، فهذه الكنائس هي معظمها كنائس روسية قديمة منذ ماقبل الاحتلال الروسي بعد الحرب العالمية الثانية، وتتعبد فيها الأقلية الروسية، التي تبلغ نسبتها نحو 25% من سكان البلاد. ولم تبن كنيسة أستونية حديثاً.
وتضيف طالبة الدراسات البيئية بأنها مفتخرة بلا دينيتها، مع هذا تحب زيارة الكنيسة السرية في الحي القديم، وهي كنيسة الأوكرانية اليونانية الكاثوليكية (تبلغ نسبة الأوكرانيين 2.1%) ولايعرف طريقها الجميع، فهي تقع في حارة قديمة بين البيوت. ولما تزل تمارس طقوسها بين الجدران الصخرية، ومحافظة على قدمها، حتى في طريقة صناعة الكتب اليدوية ورسوم البطاقات الخاصة بالمناسبات. كذلك لو كان هنا في تالين مسجد للمسلمين سازوره للتمتع بما في داخله من لوحات والاطلاع على طقوس الاخرينز فنحن لسنا كفارا ببقية الاديان، بل لادينييون.
محنة الأستونيين المخطوفين في لبنان
يتساءل الأستونيون عن السبب في خطف مواطنيهم، وعن سبب عدم اطلاق سراحهم حتى الآن، متمنين إطلاقهم قريباً وعدم تعرضهم للأذى. مرددين بأنهم ليسوا مثل الانكليز او
![]() |
| الاستونيون المخطوفون في لبنان |
الفرنسيين ذوي الذكريات الاستعمارية في البلدان العربية ليتم خطف أبنائهم الذين ذهبوا سائحين. وسيشاركونك الرأي حينما تخبرهم أن الأرجح من وراء الخطف أن الخاطفين لم يستهدفوا هؤلاء الشبان السبعة بسبب جنسيتهم الأستونية، بل ظنوا بأنهم فرنسيون أو ألمان أو انكليز من خلال ملامحهم الأوروبية.
حاولت quot;إيلافquot; الوصول إلى عوائل المخطوفين لمعرفة انطباعهم أو لتوصيل رسالة إلى الخاطفين، لعلها تنجح في حلحلة هذه المحنة، فقيل لنا إن السلطة طلبت حتى من وسائل الإعلام الأستونية عدم الاتصال بهم تجنباً لتعقيد ملف المخطوفين الذي يقود وزير خارجية أستونيا أرموس باييت جهوداً متواصلة للإفراج عنهم، وقد قام بزيارات عدى إلى لبنان ودول عرية أخرى منذ خطفهم.
خلال الاتصال بمفتي الديار الأستونية إلدار محمدسن قال إن الرابطة الإسلامية في أستونيا لاتحب العمل الاستعراضي، فقد بادرتُ شخصيًا بالاتصال بوزارة الداخلية فور إعلان خبر خطف الأستونيين، وعرضنا تقديم أي مساعدة نقدر عليها، لكن الاخوة لم يردوا علينا حتى الان. وعبّر عن استعداده لتقديم أي مساعدة، بما في ذلك السفر الى لبنان أو دولة عربية لحل مشكلة المخطوفين.
وكان بيان صدر من الرابطة الاسلامية في استونيا في السابع والعشرين من شهر أيار/مايو الماضي مخاطبًا اللبنانيين والسوريين جاء فيه quot;نتوجه اليكم جميعًا للمساعدة في إطلاق سراح سيّاح أستونيين لأنهم قريبون منا قربكم من افراد عائلاتكمquot;.
![]() |
| أحد دروس تعلم اللغة العربية في المركز الاسلامي في تالين |
هذه الرابطة الإسلامية تسعى منذ وفت إلى الحصول على قطعة أرض داخل مدينة تالين لبناء مسجد عليها، بعد حصولها على موافقة حكومية واستعداد من الشيخ سلطان بن محمد القاسمي حاكم إمارة الشارقة لتمويل مشورع بناء المسجد، حسب ما أفاد لـquot;إيلافquot; المفتي محمدسن.
لكن غلاء أسعار الأراضي داخل مدينة تالين، التي يكاد يكون كل وسطها ثريًا، جعل هذه الجهود تتأخر، وتنصب على مواصلة البحث والعمل من مقر الرابطة وعدد من المصليات في تقديم دروس دينية وتعليم اللغة العربية، مضيفاً بأن الجالية لاتواجه أي مضايقات لأسباب عدة، منها أن أستونيا ليس لديها تاريخ أو ذكريات حربية مع المسملين.
معظم مسلمي أستونيا ينحدرون من أصول تتارية وآذرية. وعددهم يصل إلى نحو عشرة آلاف، معظمهم يقيم في العاصمة تالين. ويشكل السنّة الشافعية نحو ثمانية آلاف منهم، فيما يشكّل الشيعة، وهم من أصول آذرية، نحو ألفين.
التصفيق بالأيدي والأقدام
في إحدى فعاليات تالين عاصمة الثقافة الأوروبية، التي تجري كل شهر ضمن برامج عديدة كترجمة كتب من لغات أخرى للاستونية والاحتفاء بكتابها وفتح حوارات مع ثقافات
أخرى مع مشاركات الجمهور ومسابقات الشعر والموسيقى والرقص، تبرز ظاه

الشاعر الاستوني ماركو ماغي
رة التشجيع والحماس بشكل لافت من خلال التصفيق بالأكفّ والضرب على الأرض بالأقدام في الآن عينه كتعبير عن انحيازهم واعجابهم بهذا الشاعر أو ذاك.
وتقول الشاعرة ك. كالدما إن إشراك الأقدام بالتصفيق هو لخلق جو من الحماس وللفت أنظار الذين لايتمكنون من السماع أيضاً، فهم يشاهدون حركة الجسم حين تتشارك في التشجيع الأيدي والأقدام. ومن لا يحب شاعراً معينًا لا يصفق له لا بالأكفّ ولا بالأقدام فلا مجاملات هنا.
وحين نودي على الشاعر الأشهر في تالين ماركو ماغي قالت إنه الأفضل بين جميع المتبارين الآن. وأنظر للمشجعين له وخاصة المشجعات. وذلك لأن ماركو له ذكريات مع معظم مثقفات تالين، كما يتردد ها هنا. فهو يعرض على احداهن الاقامة معًا والاستمتاع بملذات الحياة والشعر. فلا تجد الشاعرة الشابة الا الموافقة لسحر شاعرية ماركو، فلعلها تنال من موهبته شيئاً.
وقد طال انتطار ماركو ليلقي شعره، ولم يعتلِ المنصة، فعلا الهمس... إنه يحتسي الفودكا خارج الصالة، ثم ساد الضحك والتصفيق، فقد وصل ماركو ذو الصوت الأجش والإباحي في كثير من أشعاره. وطبعاً كان الفوز لماركو في تلك الامسية الشعرية التي حضرتها إيلاف.
الشاعر ماركو ماغي الذي يبدو نموذجًا استونيًا لـquot;مجنون القريةquot;، الذي يوجد في ك ل مدن العالم يختلف عن مجانين العرب من الشعراء الكحوليين، فهو كان يعمل في إحدى الصحف في تالين، وتم طرده بسبب إصراره على مواصلة شرب الكحول أثناء العمل. وهو يعيش اليوم من مردود كتبه التي ينشرها، حيث توفر له حرية التسكع والمتعة بشرب الكحول باستمرار.
| خلال افتتاح مهرجان head read في تالين |
معظم الشعراء والكتاب مستعدون للمشاركة في تقديم حوار على المسرح مع ضيف أو كاتب وقّع كتاباً جديداً له مع فتح الحوارات للجمهور أيضاً، ليكون المضيف في وقت لاحق ضيفاً واقعًا تحت سياط أسئلة ضيفه السابق والجمهور أيضاً، ضمن برنامج معد سلفاً.
الكاتب والمؤرخ الانكليزي جوسن ادوين يحضر لتوقيع ترجمة كتابة بالأستونية حول اسطنبول، التي قطن فيها لبعض الوقت، وكتب انطباعاته وأفكاره عنها التي سيضيفها لما لديه من ذكريات عربية تمتد لنحو أربع سنوات قضاها في ليبيا كما أبلغ إيلاف.
وبالرغم من أن معظم الاستونيين يتكلمون الانكليزية، إضافة إلى الروسية، التي كانت مفروضة عليهم ابان فترة الاحتلال الروسي التي تمتد لنصف قرن، الا أنهم يحرصون على ترجمة النتاج الثقافي العالمي للغتهم، التي لاتشبه لغات البلطيق، بل هي خليط من الفنلندية والمجرية. ويعملون اليوم على ربط بلادهم بالثقافة والاقتصاد الاوروبيين، متخذين من فنلندا والسويد نموذجين لهم.
الكي جي بي
حين مررت مع كل من الشاعرة ك. كالدما والشابة إيني في طرقات المدينة القديمة باتجاه الحفل الافتتاحي لفعاليات الرود هيد الذي دخل ضمن فعاليات تالين كعاصمة للثقافة الاوروبية في هذا العام، أشارت كالدما نحو بناية واسعة ومرتفعة، وتكاد تمتد على طول الشارع الفرعي وشبه مهجورة وداكنة اللون، هامسة أنها مقر الكي جي بي سابقاً (الاستخبارات السوفيتية)، فلم يتمكن أحد من المرور من هنا الا متهماً او ضابطا سرياً.
والان قد تتحول إلى فندق في وسط هذا الحي القديم جداً. مضيفة بأنها تمتلك في شقتها طاولة للعمل، كانت مخصصة لأحد ضباط الكي جي بي، اشترتها من أحد محال المزاد. وحتى الآن تنتابها شكوك في بعض الاحيان أن تكون هذه الطاولة تحوي أجهزة تنصت دقيقة جداً لم يتنبه من باعها لإزالتها.
الليالي البيض
منذ بداية شهر حزيران/يونيو، تبدأ الليالي البيض في أستونيا، التي تشاركها فيها دول عدة في الشمال الأوروبي، فالوقت يتجمد على لحظة الغروب، ولا وجود لعباءة الليل السوداء
| الليالي البيض تتميز بها تالين وبطرسبورغ وهلسنكي |
التي يلقيها مرصعة بنجومه على الارض.
فتبقى منتظراً قدوم الليل، ولن يصل حتى الثالثة صباحًا حين تداهمك الشمس، وهكذا تستمر الليالي البيض متعاقبة حتى شهر آب/أغسطس.
لكن معظم الأستونيين لايبالون بهذه الليالي، لجهة عدم النوم، فقد تعودوا على النوم قبل حلول منتصف الليل، فغداً هو يوم عمل. كما انهم قليلو الكلام مكتفين بالنظر الطويل. وحين تسأل عن السبب، يقولون لك إننا الآن نتكلم كثيرًا مقارنة مع ما قبل 20 سنة حيث كنا أشبه بالخرس. فللطقس سطوته علينا من خلال برد الشتاء الطويل وثلوجه المتواصلة على حافة القطب.
الصور بعدسة Kauml;rt Kukkur.


.jpg)



















التعليقات