إقدام أوروبيين على إحراق أنفسهم، يدفع البعض إلى القول إن quot;الظاهرة البوعزيزيةquot; انتقلت إلى مرحلة العولمة، ولم تعد محصورة في رقعتها المغاربية والعربية، وإنما قد تنتشر في الأوساط الشعبية الغربية نظراً للظروف الاجتماعية، خصوصاً بعد تسجيل حالات في إيطاليا، اسبانيا ثم فرنسا.


إحراق الذات في أوروبا أيضاً

باريس: quot;الظاهرة البوعزيزيةquot; لم يقتصر انتقال عدواها فقط إلى عدد من البلدان العربية، بل شهدت كذلك بعض البلدان الأوروبية احتجاجات شعبية، مستوحية من التجربة نفسها منهجيتها في الرفض أو التنديد بواقع اجتماعي معين، وإن كان بملامح تختلف تماما عما شهدته وتشهده دول مغاربية و عربية.

وبحسب عالم الاجتماع محمد مريزقة، فإن مسألة اعتبار إحراق الذات كوسيلة للاحتجاج هي بدورها انتشرت ومست مناطق أخرى من العالم كوسيلة لمناهضة الأنظمة القائمة.

وصرحمريزقة لـquot;ايلافquot; ان الطريقة التي استعملها البوعزيزي في تونس، ونتائج فعله، وتوسع التمرد، وانتشار ذلك إعلاميا، ساهم بالتأكيد في كل بقاع العالم في ظهور حركات ذات طبيعة مطلبية بخصوص ما هو اقتصادي و اجتماعيquot;.

وأكد ان quot;حركة الاحتجاجات التي تعرفها بعض البلدان كما هو شأن اسبانيا والولايات المتحدة لها تشابهات مع تلك التي يشهدها العالم العربي والتي يعتبر فعل البوعزيزي أحد العناصر التي حركتهاquot;.

وربط المختص في علم الاجتماع ظهور quot;حركة quot;الغاضبينquot; في أوروبا، وبالخصوص في اسبانيا، بالوضعية الاقتصادية الكارثية لهذا البلد، وتصاعد البطالة والحاجة وتهميش العديد من الفئات الشعبية التي وجدت نفسها ضحية المضاربات...quot;

وأضاف: quot;أن حركة (احتلوا وول ستريت) لها رمزيتها الخاصة كذلك لأنها تمس القوة الأولى عالميا و تتمركز حول إحدى أكبر المؤسسات المالية quot;وول ستريتquot;quot;، إلا أن حالة فردية على الطريقة البوعزيزية، تبين أنه ليس بإمكانها أن تحدث الآثار نفسها التي أحدثتها في تونسquot;.

فرهان نشطاء هذه الدول بحسب قراءة مريزقة، مبني أساسا على نسبة المشاركين، أي ما هو quot;جماعيquot; ويلعب دورا رمزيا واستراتيجياquot;.

حالة البوعزيزي حالة خاصة

بحسب مريزقة، حالة بوعزيزي quot;حالة خاصة، فهي كانت نتيجة اليأس الذي أصاب شابا، بائعا متجولا، ضحية الحاجة والإذلال وكذلك يكشف الوضعية الاقتصادية الصعبة التي يعيشها آلاف الشباب التونسي...quot;

ويتابع: quot;أن عملية البوعزيزي ليس هي في حد ذاتها من حركت الاحتجاجات في تونس، لأنه هو بنفسه لم يكن يتصور أن عمليته ستغير تاريخ البلد، وإنما ردود الفعل التي خلقتها في تونس اعطتها معناها وبعدا في المنطقة والعالمquot;.

ورأى مزيرقة quot;أن عملية حرق الذات انتقلت إلى بلدان عربية كالجزائر و المغرب إلا أنها لم يكن لها الوقع نفسه على المجتمع كما حصل في تونس، وحتى الإطارات السياسية الدينية التي لها شعبيتها في هذين المجتمعين أدانته و قللت من قيمته كما حصل في المغرب من طرف حزب العدالة و التنميةquot;.

واعتبر إحراق الذات quot;فعلا يعكس يأس صاحبه لوضعية شخصية دراماتيكية والظلم، نجحت بالخصوص في تونس مع البوعزيزي بالنظر لنتائجها في إسقاط الديكتاتوريةquot;.

وشدد على ان ما نعرفه اليوم تحت مسمى quot;الربيع العربيquot; يظل في جميع الحالات quot;مرتبطاً باسم البوعزيزي، لكون الأحداث التي تلت فعلته نسجت من حوله صورة quot;البطل الوطني والشهيد الذي انتفض ضد الظلم على حساب حياته الخاصةquot;.

انتحار quot;إراديquot; و انتحار quot;الواجبquot;

ولفت الدكتور مريزقة إلى الحضارات الإنسانية القديمة وما عرفته من عمليات إحراق النفس وفق ما يقول عنه quot;طقوس خاصةquot; وتترجم هذه الممارسة quot;فكرة التضحية والتنقية والعبادة كذلكquot;.

وأوضح quot;يجب التمييز بين من يضحي بحياته حرقاً من أجل قضية سياسية أو دينية والذي يقرر أن يضع حدا لها، لوقف نزيف الآلام التي يعاني منها، ولوضعية أصبح لا يقدر على تحملهاquot;.

وعدد أشكالا من أوجه الانتحار التي عرفت بها مجموعة من المجتمعات، ومن بينها quot;الكاميكازquot; لقب الطيارين اليابانيين الذين اختاروا الموت لوقف زحف السفن الأميركية خلال الحرب العالمية الثانية، تشكل بأكملها quot;حالات انتحار تملى انطلاقا من إرادة شخصية أو من واجبquot; يعتقده المنتحر دينيا أو عسكريا.

وبيّن ان quot;حالة الانتحار الأكثر شيوعا هيquot;الانتحار الإرادي لأسباب سوسيولوجية، نفسية، أو اقتصادية، ففي فرنسا مثلا معدل الانتحار لاسيما لدى الشباب بلغ مستويات مقلقة.5،5 بالمائةquot;.

وسجلت فرنسا quot;سنة 2009 عشرة آلاف و أربعمائة و أربع ستين حالة انتحار، استعمل فيها عدد من طرق الشنق، إطلاق النار،أدوية و طرق أخرى، وبالنسبة إلى حرق الذات تبقى قليلة منها إقدام مدرسة على حرق نفسها وسط ساحة ثانويةquot;.

و كانت فرنسا شهدت محاولة انتحار عن طريق إضرام النار في الأيام الأخيرة أقدم عليها عامل أحد المحلات التجارية الكبرى احتج من خلالها على مضايقات أحد رؤسائه ضده.

واسبانيا بدورها عرفت مؤخراً حالة مماثلة إلا أن صاحبها فارق الحياة، بعد ان وجد نفسه عاطلاً عن العمل، والداعي نفسه كان وراء انتحار زوجين إيطاليين عن طريق إضرام النار في جسديهما عندما فقدا مسكنهما بسبب ثقل الديون المتراكمة عليهما.