قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

في مقالة سابقة أوضحت أن ليبيا لا تزال في مهب الأوهام، وأن الفاعلين السياسين لم يتبينوا صورة الواقع الذي بدون فهمه لا يستطيعون وضع خريطة طريق صحيحة وواضحة لإنهاء هذا الصراع الدامي. وقد بينت أوهام هؤلاء الفاعلين على مسرح الأحداث وكيف أنهم مازالوا فى غياهب الأزمة يعمهون.
أما في هذه المقالة فإنني سوف أحاول أن أرسم خريطة مبدئية لهذه الطريق التي حتى وإن لم تُتبّع فإنها ستلقي الضوء على هذه الأزمة وتثري النقاش الدائر حولها.
وبالرغم من أنني ذكرت فى مقإلى السابق أوهام كل الأطراف، فإنّني لن أناقش سوى كيفية الخروج من أوهام حلف النيتو والمجلس الانتقإلى، وذلك لسبب بسيط وهو أن أوهام هؤلاء يمكن أن يخرجوا منها إلى الواقع المأمول، أما أوهام القذافي فسنتركها كعربة فرعون الحربية التي ابتلعها اليمّ ومن عليها وإن دياجير الأوهام أظلم من لُجج البحر، ولكن أكثر الذين أوتوا السلطة لا يعقلون.
قلنا فى المقالة السابقة إن استراتيجية حلف النيتو يستغرقها وهم إمكانية رحيل القذافي من السلطة، عن طريق ممارسة الضغوط العسكرية والسياسية والدبلوماسية عليه، وكان حلف النيتو وربما لا يزال يعتقد في إمكانية تحقيق ذلك، وإمكانية الاتفاق معه على تسليم البلاد أو الجزء الذي يخضع له إلى مجموعة من الشخصيات الوطنية يتم الاتفاق على أسمائها ومواصفاتها. وكنتيجة منطقية لهذا الوهم، حاولوا فى الفترة الأخيرة أن يجترحوا مبادرة سياسية تقضي بهذا، حملها المندوب الدولي عبد الإله الخطيب إلى كل من نظام القذافي والمجلس الانتقالى. وقد أوضحنا في أكثر من مقال أن معمر القذافي لن يرحل من تلقاء نفسه، وسوف يبقي هناك حتّى لو لم يتبقّ له سوى بنادق أبنائه للذود عنه. وسيكتشف حلف النيتو أنه أضاع الوقت فى العدو خلف هذا السراب.
والوهم الآخر لحلف النيتو أنه كان يعتقد بأن القذافي سيقوم بما أسلفنا عندما تتضافر كل العوامل السابقة إلى جانب عاملين آخرين مساعدين : أحدهما مساعدة الثوار للاقتراب من طرابلس دون دخولها، وثانيهما انتفاضة جماهير مدينة طرابلس انتفاضة عارمة، بحيث لا يجد القذافي بُداً من التنحي والنزول عند رغبة الجماهير.
ولئن كان العامل الأول ممكن الحدوث إذا أعطى النيتو الثوار الأسلحة النوعية لتحقيق هذا الغرض وساعدهم بقوته الجوية على إنجاز ذلك، فإن العامل الثاني مشكوك في حصوله في هذه الظروف الحاليّة وذلك للأسباب التالية :
1.إن الجماهير في مدينة طرابلس انتفضت منذ فجر الثورة أي يوم 18 فبراير واستمرت انتفاضتهم لعدة أيام، ولكن النظام أدرك أن سقوط العاصمة يعني سقوطه، فقمع الجماهير بعنف شديد، وفتح المعتقلات للآلاف من شبابها، واستدعي كل احتياطييه من الأمن والاستخبارات والكتائب المهمة إلى طرابلس، فأحكم السيطرة عليها، وكل ما يمكن للثوار فعله هو هجمات بسيطة على جنوده أو رفع لعلم الاستقلال فى بعض أحيائه. لذلك لا يمكن فى الوقت الراهن الاعتماد على انتفاضة كبيرة تفضي إلى النتائج المبتغاة.

2.إن دعاية النظام استطاعت أن تخلق فئة من السكان يقفون فى حالة شلل للإرادة فلا يعرفون أي اتجاه يقصدون. لقد بثّ الإعلام جرعات كبيرة من الأكاذيب والتضليل والإشاعات المغرضة التي تنال من أخلاق الثوار وتشكك في مشروعهم. وقد تكون محطات تلفزة الثوار ساعدته دون قصد على بلوغ هدفه.

3.لقد وزع القذافي السلاح على كل الأسر الموالية له، بحيث أضحى التفكير في التظاهر عملية انتحارية محققة، وإن أي تحرك جماهيري قد ينقلب إلى صدامات بين الأهالي، وليس فقط بين النظام والجماهير.

4.إن جماهير طرابلس التي قدّمت تضحيات كبيرة أرعبها طول فترة النزاع. فقد كان الكثيرون يعتقدون أن النظام الذي يدركون هشاشته لن يصمد كل هذه الفترة الزمنية، فإذا بهم يكتوون بنتائج هذه الحرب في زيادة أسعار المواد الغذائية، وندرة الأدوية، وشح إمدادات الوقود. فزاد ذلك من حيرتهم وارتباكهم وقراءتهم للمستقبل على أنه زمن سوف يدفعون فيه تضحيات قد لا يقوون على تحملها.
لهذه الأسباب فإن انتفاضة مدينة طرابلس لن تحدث إلاّ عندما يدرك السكان بأن ثمة ظروفا جديدة تضمن انتصار ثورتهم، فثمة شروط موضوعية لابد من تحققها قبل الدخول في الصراع النهائي مع النظام.
لذلك فإن حلف النيتو قد خسر الجولة الأولى مع نظام القذافي بسبب أوهامه غير القابلة للتحقق.
إذاً ما العمل؟
إن الحل الوحيد لإنهاء هذه الأزمة أو على الأقل لتحقيق هدفها الأول، وهو سقوط نظام القذافي، يكمن في ضرورة إيجاد قوة عسكرية على الأرض تحت مظلة الأمم المتحدة.
قد تكون هذه القوة عربية أو إسلامية أو عربية إسلامية، وهذا أفضل السيناريوهات. وإذا كان هذا متعذراً لسبب من الأسباب، فلتكن قوة أياً كانت تحت مظلة الأمم المتحدة بالتشاور مع المجلس الوطني الانتقالي. فهذا الحل إلى جانب أنه يعجّل بسقوط القذافي، فإنه يضمن لليبيين الأمان حتى يستطيعوا إنشاء دولتهم ومؤسساتهم وتأسيس جيش وأمن لهما عقيدة وطنية تضمن سلامة البلاد بعد سقوط النظام.
أما أوهام المجلس الوطني الانتقالي فقد بيناها في المقال السابق. لقد قبع جامداً لا يستطيع أن يخلق أيّ مبادرة سياسية، وكان ضحية مواقفه السلبية من الأحداث، بحيث أصبح لا يعرف إلا ردود الأفعال. أمّا الأفعال فلا قدرة له عليها.
وبيّنا أنّ هذا المجلس عوّل على حلف النيتو في مساعدته على إسقاط النظام من خلال مليشياته المسلحة. ولكن لحلف النيتو برنامجاً مختلفاً كما ما أسلفنا، فوقع المجلس بذلك ضحية عدم التفاهم مع الشريك الأساسي فى تحقيق الهدف.
وتبعا لذلك، فلكي يخرج المجلس الانتقالي من أوهامه إلى أرض الواقع يجب عليه أن يقوم بالآتي :
أولاً : أن يعيد النظر في تركيبته القبلية، ويحاول أن يجعل منها بوتقة وطنية يمثل فيها المجتمع الأهلي برمته. ويجب أن يحوي مجموعة من الشباب الذين أوقدوا الثورة ودفعوا أثمانها المكلفة، حتي يستطيع المجلس الانتقالي أن يرجع إلى عنفوان الثورة ويواكبها. فإن أيام الثورة لا تحتمل الاسترخاء، ولا تحتمل قضاء العطل الأسبوعية مع أفراد الأسرة وكأنّ الأمر يتعلّق بعمل حكومي روتيني .
ثانياً : إن أعضاء المجلس الوطني الانتقالي هم قياديون للمجتمع بأسره، فيجب أن لا يتماهوا مع الجماهير في كل شيء، بما في ذلك القرارت التي لا تخدم الثورة ولا الوطن. إنما من واجبهم أن يُبينوا للجماهير الحقائق مهما كانت مرارتها، وأن يشرحوا لها الخيارات الصعبة حتي وإن صدمت أوهامها. فإن الجماهير الثورية قادرة بصفة تلقائيّة على تفهم الأحداث والتعامل معها .
ثالثاً : إن من واجب المجلس الانتقالي أن يؤمّن الوطن والمواطنين. لذلك يتحتم عليه أن يضع خطة لجمع السلاح المنتشر في المناطق المحررة، وأن يبدأ في حوار مع المليشيات المسلحة من أجل توحيدها في قيادة تخضع للمجلس الوطني، وعليه أن لا يسمح بإنشاء مليشيات قبلية أو ذات توجه لا يخدم أغراض الثورة في قيام دولة مدنية ديموقراطية .
رابعاً : على المجلس الوطني أن يتحدث مع مجموعة الاتصال وحلف النيتو، وأن يضع كل الأوراق علي المنضدة، وأن يطالبهم بأن يفعلوا بالمثل وأن يبين لهم ويتبين منهم الوسائل الناجعة لحسم الصراع، ووضع خريطة طريق واضحة لذلك، خالية من الخداع والمواربة والأوهام.
خامساً : على المجلس الوطني الانتقالي أن لا يرى في ما تحقّق له من تأييد دولي واعتراف بشرعيته مكسباً لأعضائه، بل مكسبا للوطن الذي يمثله، لذلك يجب استغلال هذه المكاسب لمصلحة الثورة فى كل أنحاء الوطن، وعليه أن يخاطب الجماهير الليبية كلها وأن يحرص على مساعدة الثوار في أي بقعة على الأرض الليبية، وعليه أن يبتعد عن الأشخاص الذين يحاولون المساومة أو المتاجرة في السلاح والعتاد للثوار، والأشخاص الذين يثيرون الريبة في الداخل والخارج، كالجماعة الليبية المقاتلة والمتشددين أياً كان منبتهم.
سادساً : كان على المجلس الانتقالي أن يستعين بمستشارين ليبيين وأجانب حتي يكونوا له مطبخ سياسي يستطيع من خلاله أن يدرس المبادرات السياسية وأن يرد عليها بشكل منطقي مُقنع لدول العالم، وأن يجترح مبادرات يطرحها على العالم، بحيث لا يقتصر دوره على رفض المبادرات. ذلك أن الحقيقة المرة التي ربما يعرفها في يوم من الأيام هي أنّ الأمم المتحدة وحلف النيتو إذا طال أمد الصراع فإنّهم يفرضون مبادرة على كل الأطراف حتى بالقوة إذا اقتضى الأمر.
إن المجلس الوطني الانتقالي اليوم هو شبيه بمجلس قروي وضعته الأقدار على مسرح الأحداث ليُمثل دور مجلس وزراء أو برلمان على مستوى وطنيّ. وقد يكون وهنهُ هذا بسبب تكوينه القبلي أو بسبب نشوء المليشيات المسلحة من حوله. هذه المليشيات اعتقد أنها سوف تجعل منه قوة فاعلة، فإذا بها تضعف من عزيمته وتكبّل أفعاله وبدل أن تسخّر قوتها لدعم سياساته أصبحت قوة إملاء عليه .
فإذا استطاع المجلس الوطني الانتقالي أن يخرج من أوهامه وأن يُحسن من أدائه فسوف يكون ذلك مكسباً وطنياً كبيراً. أما إذا استمر فيما هو عليه فإن الليبين سوف يشعرون بأن قيادته لا يمكن الاعتماد عليها وسيلجأ كل اقليم أو مدينة إلى التعويل على نفسه في حل مشاكله والتحوط لأمنه وسوف تكون هذه الحالة بداية التشظي والفرقة وبواكير حرب أهلية مدمرة .
قد أكون أصبت فيما قلت أو جانبني الصواب ولكن علي كل من له رأي مخالف أن يدلوا بدلوه لأن لا أحد منا يملك الحقيقة المطلقة، وإنما كلنا يحاول أن يجتهد في سبر أغوار الأزمة واستشراف محاذيرها حتى يُجنب وطننا الحبيب طامة كبرى لن يكون لنا إلى دفعها من سبيل.