قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

إن كنت شاباً ولد في أفغانستان، ولم تبلغ منتصف عمرك بعد، فأنت لم تشهد أبداً استقراراً في موطنك. هذه الحقيقة مؤسفة، فأفغانستان لم ترتح أبداً في العقود الثلاثة الماضية. وفي المدى القريب ننتظر نقطة تحول مهمة في أفغانستان. ففي العام 2014 ستشهد البلاد انسحابا للقوات الأجنبية، مع انتخابات رئاسية تُخاض لأول مرة بدون وجود المحتل، فهل تفعلها أفغانستان، أم ستستعيد سيناريو الاضطراب والصراع الأهلي بعد رحيل الاتحاد السوفييتي أواخر الثمانينات؟.

هذا الموعد المترقب للانسحاب الأجنبي يأتي محفوفاً بالمخاطر. ويغلب التشاؤم لدى المتابعين والمهتمين. فأميركا تخرج وهي لم تستطع -على مدى أكثر من عشر سنوات- أن تنقل البلاد إلى مرحلة استقرار. وهي قد تكبدت في هذا الاحتلال خسائر طائلة، أكثر من خمسمائة مليار دولار، بالإضافة إلى آلاف القتلى والجرحى من الطرفين. إضافة إلى ضعف حكومة كرزاي، وتقدم حركة طالبان على الأرض كل يوم. أما الخسائر لأفغانستان فهي تستعصي على التقصي، إنها دمار بلد كامل.
والمؤسف أن الحالة الأفغانية رغم حساسيتها وخطورتها وأهميتها الإنسانية، إلّا أنها تتعرض لتجاهل مريع، فقد تم تجاهلها في الانتخابات الأميركية والخطط المستقبلية لكل رئيس، وكان التركيز فقط على مسألة الانسحاب. وكذلك تم تجاهلها من العالم العربي، الذي يغلّب صورة نمطية واحدة عن أفغانستان، ويضع طالبان أو تحالف الشمال أو الحكومة القائمة في قوالب، ولا يفهم إلا ما يريد أن يفهمه. لكن وجدت هناك محاولة وحيدة من قطر التي بادرت لافتتاح مكتب لطالبان قبل ما يقارب العام، وكانت النية أن يقود هذا المكتب الحوارات الأميركية مع طالبان، بعد تصريحات متبادلة من جهات محسوبة على الطرفين أشارت إلى إمكانية وأهمية هذا الحوار. لكن هذا المكتب تعثر، ولم تبدأ الحوارات التي كان مفترضاً لها أن تتم من خلاله بسبب عدم تواضع الطرفين، وعقبات أخرى كان من أهمها تعثر مبادلة خمسة من أعضاء طالبان المحتجزين لدى الولايات المتحدة بأسير أميركي موجود لدى طالبان، كما أشارت صحيفة الفايننشال تايمز البريطانية في أيلول/ سبتمبر الماضي.
إن حركة طالبان قوية، وقوتها من قوة العرقية البشتونية التي ترفض المحتل، وتجد في طالبان البديل المعبّر عنها وعن هويتها وبالخصوص أمام الاحتلال (البشتون يشكلون نصف أفغانستان تقريبا، التي يبلغ عدد سكانها 30 مليون نسمة). وهذه القوة المسلحة لطالبان، أو قوة سندها الشعبي، تحتم أن تكون طالبان جزءً من الحل في أفغانستان. وهذا يتطلب شرطاً أوليا وهو أن تتغير الحركة، وتغير من تفكيرها، لا أن ترى في خروج المحتل انتصارا يزيد من مكابرتها وتمسكها بمنطق انعزالي عن العالم السياسي أو عن القوى الأخرى في أفغانستان. ومن ذلك أيضاً أن تقبل بالديمقراطية في أفغانستان. إن مشكلة طالبان اليوم أنها لا تريد أن تفصح عن منطقها وتصورها إلا بعد خروج المحتل، وهذا ما يجعل المخاطر مفتوحة أمام كل احتمال.
هناك بوادر أمل تعزز الدفع باتجاه التحول السياسي في أفغانستان. من ذلك أن الملا محمد عمر نفسه قد أعلن في خطبته لعيد الأضحى الماضي للعام 1433هـ (تشرين الأول/ أكتوبر 2012)، عن استعداد حركة طالبان للحوار عبر مكتبها السياسي ووفق الشروط الدينية والوطنية التي تقتضي مصلحة البلاد، وأفصح أيضاً عن عدم رغبة حركة طالبان في احتكار السلطة. كذلك في الشهر الماضي (تشرين الأول/ أكتوبر) أعلن رئيس اللجنة الانتخابية الأفغانية فاضل أحمد مناوي الاستعداد لقبول ترشح المسلحين من طالبان وغيرها في الانتخابات الرئاسية المقبلة للبلاد في نيسان/ أبريل 2014.
بالإضافة إلى ذلك، تبنى الجنرال الباكستاني إحسان الحق، رئيس جهاز المخابرات الباكستانية السابق والرئيس السابق لهيئة الأركان المشتركة في باكستان، خارطة طريق تدفع باتجاه التحول السياسي، ومقاربة وجهات النظر بين الأميركان وحركة طالبان، وذلك بعد اجتماعه مع مسؤولين أميركان في العاصمة واشنطن دي سي. وتتمثل مطالب الطرفين بشكل أساسي في أن الولايات المتحدة تريد من طالبان أن تضمن لها عدم وجود للقاعدة في أفغانستان، وألا تعود طالبان لسياساتها المتشددة في البلاد كسياستها تجاه المرأة. أما مطلب طالبان الأساسي فهو رحيل القوات الأجنبية كلها.
هذه بوادر من الممكن أن تُحسب بإيجابية، لكن التشاؤم يحلق فوق المسألة الأفغانية. فمن يؤكد الآن أن طالبان ستقبل بالديمقراطية، أو أن تعلن مبدئيا عن توافقها مع إمكانية التخلي عن quot;أمير المؤمنينquot; الملا محمد عمر؟. أيضاً، لا تملك الولايات المتحدة خطة واضحة حول أفغانستان. أميركا تريد أن تتعامل مع الوضع من بعيد. فهناك أصوات تتعالى كل يوم داخل أميركا لمتخصصين وباحثين لديهم رؤية متطرفة لأميركا، وهؤلاء ليسوا بالضرورة عنصريين، أو من المتبنين لاتجاه محاربة العالم الإسلامي، لكنهم ممن لديه حس الانعزالية، وأن تهتم أميركا بشؤونها فقط. المشكلة أن تعامل أميركا مع الوضع من بعيد، يعني quot;قطعquot; مساعداتها وتسهيلاتها لوضع الاستقرار في البلاد، بينما quot;تستمرquot; في إرسال الدرونز (الطائرات دون طيار).

[email protected]