قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

من مفكرة سفير عربي في اليابان

تعرض أطفال الولايات المتحدة في الشهر المنصرم لصدمة عميقة، حينما قام شاب بقتل والدته بإطلاق الرصاص عليها، من بندقية اشترتها لحماية نفسها. وقد ذهب هذا الشاب إلى المدرسة التي تدرس فيها والدته أيضا، لكي يطلق الرصاص على أطفال بمدرسة ساندي هوك، ويقتل 20 طفل منهم، مع خمسة من موظفي المدرسة، وينهي مسرحية العنف هذه بإنهاء حياته برصاصة قاتلة. ومن المؤسف أن يلقي خطابا، الرئيس التنفيذي للجمعية الوطنية للبنادق، وين لا بيير، يقول فيه: quot;الشيء الوحيد الذي يوقف الشخص السيئ وبيده البندقيه هو الشخص الجيد وبيده البندقية.quot; كما طالب وين الكونجرس أن توفر الحكومة شرطة بجميع المدارس والجامعات الأمريكية لحماية الطلبة، وأكمل خطابه بالقول: quot;الطريقة الوحيدة التي يمكن أن نمنع الوحش من قتل أطفالنا هو أن نستثمر شخصيا في خطة للحماية. ولنخبر كل قاتل بأن المدارس هي من اكثر الأماكن أمنا ضد القتل الجماعي.quot; وأستمر في خطابه بالقول: quot;ماذا حدث لو أن هذا الشاب وجاهه شرطي يحمل السلاح حينما تحرك متجها للمدرسة لقتل الأطفال؟ لتسلم 26 حياة برئية من هذه الجريمة.quot; وأضاف بقوله: quot;ومع جميع المساعدات للخارج، وبجميع الأموال التي في الميزانية الفدرالية، ألا نستطيع أن نضع شرطي في كل مدرسة.quot; كما أنتقد الاعلام بقوله: quot;والسر الفاسد الذي يحاول الإعلام إخفائه، هو quot;صناعة الظلquot; الفاسدة والمقرفة، الإعلام، والعاب الفيديو العنيفة والخبيثة، وإفلام العنف والتي هي أقبح أنواع أفلام الجنس. وهناك افلام حب الدم كفلم أميريكان ساكو، والقاتل الطبيعي المولود، والتي تظهر على شاشات التلفزيون كل يوم، مع آلاف الفيديو الموسيقية التي تظهر الحياة كمهزلة، والقتل طريق الحياة.quot; وقد ردت على وين لا بيير في المؤتمر الصحفي والدة طفل قالت: quot;بأن عليك وقف قتل اطفالنا، وبان جمعيتك هي التي تقتل أطفالنا ببيعها البنادق، وبمحاربتها منع التشريعات التي قد تحمي المواطنين من هذا الجنون القاتل.quot;
تصور عزيزي القارئ هذا الشخص، الذي يعتبر شخصية مرموقة في المجتمع الأمريكي يشجع بيع الأسلحة في كل مكان، كما يحارب القوانين التي تمنع انتشار بيع الأسلحة للمواطنين، ويعتبر الحل في وجود شرطي في كل مدرسة، وبيده بندقية، لتربح شركات المصنعة لبنادق مليارات الدولارات، ومن الميزانية العامة للدولة. وفي نفس الوقت ينتقد عنف الأفلام والتلفزيونات والإعلام التي تعتمد على قتل ودماء البنادق والرصاص. ولا يخفي علينا بأن هذا الشخص حصل على أموال حملته الانتخابية لمركزه من شركات صانعة الاسلحة، بل ويناضل بدون خجل لكي يتوفر السلاح في يد كل مواطن في بلده، لكي يقتل بعضهم البعض.
هل ممكن عزيزي القارئ أن نتصور إلى أين انحدرت رأسمالية السوق الحرة المنفلتة، وإلى أين تدنت الديمقراطية الغربية التي أصبحت برلماناتها وإعلامها تدافع عن الشركات العملاقة التي تسجل أرباح فاحشة في الوقت الذي ارتفعت البطالة بين بعض شباب الأوربي لأكثر من 40%، بل بدأت تندثر فيها الطبقة الوسطى، ويزداد التباين في الثراء بين فئات شعوب الغرب بشكل فاحش، بينما تجاوزت بعض حكومات دول الغرب درجات الافلاس. هل من الممكن أن نتصور مدى خطورة الوضع وتخلخل استقرار البلد حينما يبقى 40 % من شباب البلد عاطل عن العمل. وما درجة الغضب والحقد التي ستنتشر في قلوبهم، وما خطر ذلك على استقرار البلد وأمنه وسلامته؟ أليس من الممكن أن تستغل بعض المجموعات المتطرفة هذا الوضع للدفع بالشباب العاطل للحقد والانتقام في مهمات مدمرة؟
وهنا نحتاج لوقفة مراجعة لطرح الأسئلة التالية: ما الذي حول ديمقراطية الخمسينات الغربية برأسماليتها ذي المسئولية الإجتماعية، والتي خلقت مجتمع الطبقة الوسطى المتعلمة والمثقفة والمبدعة والمنتجة، إلى رأسمالية القرن الحادي والعشرين الفائقة والمنفلتة عن الانظمة والقوانين؟ وما الذي أدى لتغير المجتمعات الغربية المتناغمة اجتماعيا إلى مجتعات متناحرة، ومتباينة في الدخل، ومتفارقة في الثراء، حتي أصبحت عائلة أمريكية واحدة تملك ثراء ما يساوي ثراء ثلث الشعب الأمريكي المحدود الدخل والذي يقدر بدخل حوالي 110 مليون مواطن؟ فما الذي حدث في أعظم وأقوى وأكثر دولة منتجة ومبدعة في العالم إلى دولة التي أصبحت بها 39 مليون مواطن تحت سقف الفقر، و 46 مليون مواطن محروم من التأمين الصحي؟ أليس من الغرابة أن تركض بعض فرق المعارضة لأبواب مؤسسات الغرب تطالب بفرض ديمقراطية الغرب ورأسماليتها الفائقة على مواطني بلادهم؟ وهل فعلا ستساعدنا ديمقراطية الغرب في بناء ديمقراطية حقيقة، أم سيستغل سياسيو الغرب من قبل الشركات العملاقة، لتحرير دول الشرق الاوسط من الانظمة والقوانين التي تحمي مصانعهم ووظائف مواطنيهم، لكي تنفتح اسواق المنطقة لغزو المنتجات الغربية لا حبا في الديمقراطية ، بل حبا في زيادة ربحية شركاتها من خلال سوق حرة منفلتة، تجمع الارباح وتهرب بها، وتدمر مستقبل شباب بلادنا؟
تناقش الصحفية الأمريكية الأصل والكندية الجنسية نعومي كلين، هذه التساؤلات في كتابها، مذهب الصدمة والرأسمالية الكارثية. فتذكرنا الكاتبة بالنظريات المشتركة بين أستاذ العلوم الاقتصادية بجامعة شيكاغو، البروفيسور ملتون فريدمان، والطبيب النفسي أيون كميرون، رئيس الجمعية الأمريكية للأمراض النفسية. فقد حاول الاقتصادي الامريكي فريدمان أن يستفيد من نظريات كامرون في علم النفس ليحرر عقول المجتمع من المسئولية المجتمعية ويحولها لفرد في سوق عولمة حرة متوحشة، مسئولية الفرد فيها الربحية لا المسئولية المجتمعية المتناغمة والمرتبطة بالاخلاقيات والروحانيات.
لقد تصور البروفيسور كاميرون بأن خير وسيلة للعلاجات النفسية، هو الدخول لذهن مرضاه، ومحو ما في عقولهم من خبرات ماضية، وذلك quot;بالحرب على العقل بالصدمة والرهبة.quot; فقد أعتقد الدكتور كميرون بأن علاج مرضاه بالصدمة الكهربائية والمخدرات والعزل في غرفة مظلمة صغيرة لمدة أشهر طويلة، سيشلهم عقليا، وسيمسح كل ما في ذاكرتهم من أفكار وخبرات وذكريات، محاولا بذلك إرجاعهم لمرحلة الطفولة، ليتحولوا كرضع يمصون أصابعهم ويرضعون، وليفقدوا السيطرة على التبول، وينسوا كيفية المشي أو الكلام، ليجبرهم بعدها لسماع أشرطة نصائحه ليلا ونهارا ولأشهر طويلة، ليشكل شخصية جديدة منهم. ويبرر كاميرون نظريته بعاملين مهمين لمعرفة الوقت والمكان، وهما إحساسنا بما حولنا وذاكرتنا، فالصدمة الكهربائية تمحي الذاكرة، وصناديق العزل تقضي على الإحساسات الخارجية، ليفقد المرضى إحساسهم بالوقت والمكان. وقدا عارض الأطباء الأمريكيون أبحاث كاميرون، التي دعمتها المخابرات ماليا، وأثبتوا علميا بأنها دمرت حياة المرضى بغسل عقولهم ومحو شخصيتهم، بل اعتبروا علاجاته نوع من التعذيب المخزي، ولم تحقق ما كان يصبو لتحقيقه.
وبينما كان الدكتور ايون كامرون يحلم بغسل عقول البشر، كان هناك باحث آخر بجامعة شيكاغو يسمى ببروفيسور ملتون فريدمان، يحلم بغسل عقول المجتمعات من عيوب أنظمة الدولة والقيود التجارية والمصالح المحصنة، لإرجاعها للرأسمالية النقية. فحاول من خلال أبحاثه الرياضية النظرية أن يثبت بأنه حينما يكون اقتصاد البلاد منحرفا، يحتاج لصدمة سياسية واقتصادية مؤلمة، تحرر السوق من قيود الأنظمة، وتبيع أملاك الدولة للشركات الخاصة، وتسمح للشركات الأجنبية لشراء ما تريده من ممتلكات، وتحول الخدمات الرعاية من صحة وتعليم والأمن وتأمين تقاعد وتعطل للقطاع الخاص. وتحتاج أيضا لقوانين تسمح للشركات الخاصة بتسريح العمال، وتلغي أنظمة الحد الأدنى للأجور، وتتجنب فرض الضرائب قدر الإمكان. وقد أنتظر فريدمان عشرين عاما لتنفيذ نظرياته على الواقع، والتي اعتبرت الاقتصاد علم مطلق، وبأن الرأسمالية النقية تخلق سوق حرة، وتحتاج لترك يدها الخفية لكي تنظم انحرافاتها، بدون تدخل الدولة بقوانينها المعطلة أو quot;بقطاعها العام الفاسدquot;. وبعد أن توفى فريدمان في عام 2006، لخص احد أتباعه نظريته بالقول: quot;رأسمالية فريدمان، بأسعارها الحرة، وخيارات المستهلك، والحرية الاقتصادية، مسئولة عن ازدهار العولمة التي نتمتع به اليوم.quot; فهل فعلا حققت نظريات فريدمان الازدهار؟ وكيف تزاوجت نظريات البروفيسور فريدمان والبروفيسور كيميرون؟
لقد ربى البروفيسور ملتون فريدمان، خلال العقود السبعة الماضية، جيوش من أتباعه في جميع أنحاء العالم، وبتوجيهات ومساعدة الشركات الخاصة العملاقة، كما دعمهم لاستلام مراكز قيادية في بلادهم وفي البنك الدولي ومؤسسة النقد الدولية والأمم المتحدة. وقد عاش فريدمان طفولة معقدة، فقد كان والده مهاجر مجري، نقل مصنع للثياب من بلاده لولاية نيوجرسي الأمريكية في نهايات القرن التاسع عشر. وكانت تلك الفترة فترة حرجة في التاريخ الأمريكي، حيث كان العمال المهاجرين نشيطين في الاتحادات العمالية، ويطالبون بأنظمة للسلامة في المصانع وعطل نهاية الأسبوع، وقد أدى صدور هذه الأنظمة لإفلاس والده وإغلاق المصنع. فعاش فريمان في طفولته صراعات المالكين مع العمال، ليدرس في شبابه الاقتصاد، وليستمر في المطالبة لتحرير السوق من الأنظمة المقيدة، ولحرية التجارة، للوصول لرأسمالية نقية تحقق أحلامه بحرية العالم وازدهاره.
لقد عانى الشعب الأمريكي من مأساة أزمة عام 1929، التي أدت لاختفاء مدخراته بين ليلة وضحاها، وانتشار الفقر، وارتفاع نسب الانتحار، وعاش الكثيرون في الملاجئ، واعتمدوا على مراكز الشوربة لتغذيتهم. وقد أدى ذلك لانتشار نظريات الاقتصادي البريطاني جون مينارد كينس، التي توقعت بنهاية نظرية السوق المحررة التي تنظمها يدها الخفية. وقد انتشرت النازية في ألمانيا بعد التراجع الاقتصادي في العشرينيات، والتي تفاقمت بفرض تعويضات ما بعد الحرب العالمية الأولى، وعمقتها أزمة انهيار الاقتصاد العالمي في عام 1929. وقد حذر البروفيسور كينس من خطورة حرية السوق في التعامل مع الفقر الألماني بمقولته المشهورة: quot; أتوقع ألا يعرج الثأر.quot; وبعد أن بنت أوروبا دولها بعد الحرب العالمية الثانية، دعمت اقتصاديات سوق توفر الكرامة لمواطنيها، لتقي شعوبها من الأيدولوجيات الفاشية والشيوعية. فتوجت دولها لبناء رأسمالية ديمقراطية، وفرت التأمينات الاجتماعية في الولايات المتحدة، والرعاية الصحية الحكومية في كندا، والرعاية الاجتماعية في بريطانيا، وأنظمة حماية العمال في فرنسا والمانيا. ولنا لقاء.
سفير مملكة البحرين في اليابان