في مقال له بجريدة quot;النهارquot; بتاريخ 10 حزيران 2004 كتب ميشيل كيلو غاضباً من مقالة لي انتقدتُ فيها تماهيه مع بعض نظريات النظام في الإصلاح: quot;ليس ماهر شرف الدين الضحية الوحيدة لفعل الاستبداد في العقول والنفوس...quot;، وquot;ما كتبه ماهر شرف الدين يعبّر خير تعبير عن التأثير المأسوي الذي أحدثه الاستبداد في عقول سياسية كثيرةquot;!
آنذاك لم أردّ لشعوري بأنني قسوتُ على هذا الرجل الكبير وظلمته، وبأن شخصاً مخضرماً مثله - وإن خانه التعبير في حلقة تلفزيونية أو مقالة صحافية - لا يمكن أن يُضحّي بتاريخه النضالي من أجل مسايرة نظام قمعي أفنى - هو - سنوات من عمره في مقارعته.
اليوم أتذكّر ذلك، وأنا أرى (غير مُصدِّق) السقطة الصريحة لميشيل كيلو في موسكو وهو يدخل في لعبة النظام من بابها المخلَّع وشبّاكها المكسور.
فللأسف، كنّا نتمنّى أن نفهم مغزى quot;انشقاقquot; عميد النظام مناف طلاس من دون أن نخسر عميد المعارضة ميشال كيلو.
وحقيقةً لقد كانت الصدمة كبيرة من أن كيلو ارتضى لنفسه هذه المهمة، ليس كساعي بريد، بل كوكيل أعمال أيضاً!
تبييض صفحة العميد مناف طلاس بهذا الشكل الذي أراده كيلو جاء على حساب تسويد صفحته هو... والتي نريد لها أن تبقى بيضاء ناصعة كالأسنان اللبنية لأطفال الحولة الذين ذبحهم رجال النظام.
تجميل تاريخ شخص من طراز مناف طلاس، على لسان كيلو، هو تشويه لتاريخ كيلو الشخصي.
لقد سقط معارضون عديدون في فخاخ السلطة ولم يرف لنا جفن، ولم يعتصر لنا قلب، كما حصل اليوم ونحن نرى ميشيل كيلو وهو يرسل تاريخه المشرّف إلى المسلخ، وهو يمحو سنوات سجنه بممحاةِ وعدٍ صغيرٍ بجبنة السلطة.
وأنا - كأحد محبّي ميشيل كيلو ومعجبيه - أتمنى عليه التوضيح العلني الشفاف (خصوصاً أنه وصف طلاس بـquot;الصديقquot;!!)، من أجله ومن أجل محبّيه الكثر، ومن أجل المعارضة النظيفة التي يُمثّلها نموذجُه... فلا يُعقل أن من لم تُغوِه السلطة في شبابها استطاعت أن تغويه وهي شمطاء في آخر أيامها!

***
وليس بعيداً عن صدمتنا بالسقطة التي وقع في فخها كيلو، نقول إن الطرح القائم على تسليم قيادة المرحلة الانتقالية لمناف طلاس وضّح وشرح ملعوب quot;الانشقاقquot; كله... والذي له هدف وحيد هو إنقاذ النظام، وذلك عبر تقديم العميد مناف طلاس كـ:
1- ضابط كبير له ثقله وتأثيره في الجيش (وهذا مهم للمستقبل).
2- لم تتلوّث يداه بالدماء (وهذا مهم للماضي).
3- شخصية سنّية وازنة (وهذا مهم للحاضر).
لذلك لم يظهر طلاس بشكل علني ليعلن موقفه الحاسم، تاركاً للنظام مساحة كبيرة للمناورة. وقد اتّضح الآن أن خبر الحوار المفبرك للعماد مصطفى طلاس مع قناة quot;فرانس 2quot;، ليس خبراً في الهواء، بل هو - رغم أنه غير صحيح - تمَّ بالتواطؤ والاتفاق والشراكة أيضاً.
لقد خرج العماد مصطفى طلاس قبل أشهر دون أن يُدلي بأي موقف واضح، محاولاً توريط المعارضة في تفسير خروجه كابتعاد عن النظام من دون أن يُقدِّم أي دليل على ذلك، ممهّداً في الوقت نفسه لسيناريو quot;انشقاقquot; ابنه الذي فهمنا الآن معنى قول المصادر الأمنية السورية بأنها لو أرادت منعه من الهرب لفعلت!
ما يظهر جلياً حتى الآن أن أحداً من حلفاء النظام لا يتمسك ببقاء بشار الأسد، بل ببقاء النظام نفسه. وسيناريو استبدال quot;الرئيس العلويquot; بـquot;واجهة سنّيةquot; ليس الأول في عهد الأسد الابن، بل هو الثاني، حيث طُرح هذا السيناريو في المطبخ الداخلي للنظام سنة 2005 بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، وقد كان البديل - الواجهة هو عبد الحليم خدام... لكن نجاح النظام في تجاوز الأزمة آنذاك جعله يتخلّى عن هذه المناورة.
اليوم مع بلوغ النظام السوري مرحلة ما قبل الانهيار الكامل، يعود أركانه إلى ما قبل زمن quot;الحركة التصحيحيةquot; المقبورة، لاختراع نور الدين الأتاسي الجديد الذي سيحكم من ورائه آل الأسد، كما حكموا من وراء نور الدين الأتاسي القديم (مع تسجيل كل الاحترام لشخص الرئيس الأتاسي الذي كان مشهوداً له بالنزاهة، ولكننا في إطار التحليل التاريخي ملزمون بالإشارة إلى كونه لم يكن أكثر من واجهة رئاسية استعملها حافظ الأسد).
والحقيقة أنه منذ تسرُّب خبر quot;انشقاقquot; مناف طلاس تمّ إطلاق إشارات مبكرة لدور ما يُطابق الدور الذي روّج له ميشيل كيلو من روسيا، وأبرز هذه الإشارات مقال في quot;القدس العربيquot; لرئيس تحريرها عبد الباري عطوان وقد حمل هذا المقال عنوان quot;طلاس رئيساً لسورية الجديدة؟quot;، 6 تموز 2012).
لا يمكن أن تنطلي هذه الحفلة التنكّرية على الشعب السوري المنتفض، خصوصاً حين تكون الأقنعة مُخرَّقة إلى هذه الدرجة. لا يمكن للناس استبدال دماء أبنائهم بضابط ليس له صورة واحدة من دون سيجار أو من دون صحبة أحد أفراد آل الأسد. لا نعرف، بعدُ، الدور الحقيقي الذي لعبه طلاس في قمع الثورة السورية، وإن صار في وسعنا التخمين بعدما فهمنا مسرحية quot;انشقاقهquot;. وإذ رحَّبت بهذا quot;الانشقاقquot; المزعوم بعضُ شرائح المعارضة فإنما لأن هذا الانشقاق يصبّ في خدمة هدف إسقاط النظام، وليس لتنصيبه رئيساً علينا.
العار كل العار لمن يقبّل بسيناريو كهذا، ونحن على مشارف ولادة سوريا جديدة... ونحن على مشارف انهيار نظام بائد جعل بلادنا تنتج من الدم أكثر مما أنتجت من النفط.

إشارة: من الطريف أن ميشيل كيلو كتب في ردّه الذي يعود إلى أكثر من 8 سنوات، الجملةَ التي ما زال يردّدها إلى اليوم وكأن ثورةً لم تقم: quot;إما أن تقول بإسقاط النظام أو أن تكون قليل الثورية أو من جماعتهquot; (النهار، 10 حزيران 2004)!!