في أعقاب الحادي عشر من سبتمبر 2001 ، عمد بعض الباحثين في الغرب إلي الربط بين تصدير quot;الإرهابquot; إلي الولايات المتحدة وأوروبا، والبنية السياسية الاجتماعية للبلدان العربية والإسلامية، والتركيز علي quot;مكانة الفردquot; في هذه المجتمعات -والتي تبقى هامشية - في ظل سيطرة الجماعة وانعدام الحريات والديمقراطية، مما جعل من quot;الدينquot; مجالاً للتنفيس عن الإحباط والنقمة، وquot;الإرهابquot; وسيلة لتغيير الحكم السياسي والرد (المضاعف) على عنف الدولة، وهكذا أصبح quot;العنف السياسيquot; في المنطقة يتغذى من الدورة الجهنمية: (اضطهاد-عنف-اضطهاد) حيث يأخذ (العنف) عند الإسلاميين (بعداً مقدساً) يتمثل في الإدعاء بإقامة العدل الإلهي علي الارض والاستشهاد في سبيل الله.
مراجعة هذه الأفكار (جملة وتفصيلا) وإعادة النظر في مضمونها وجدواها أصبح علي جدول أعمال مراكز الأبحاث وبيوت التفكير في الولايات المتحدة، خاصة بعد وصول الإسلاميين إلي الحكم في العديد من الدول العربية (بمساعدة الولايات المتحدة ومباركتها) حيث تجري المقارنة غالبا بين البلدين الأكبر في منطقة الشرق الأوسط: (مصر والسعودية)، ليس من باب أن المخططين والمنفذين للهجمات الإرهابية في الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 كانوا من المصريين والسعوديين، وإنما لأن هناك تناسبا عكسيا (باديا للعيان) بين تنامي الإرهاب ومقاومته في مصر (بعد صعود الإسلاميين إلي الحكم) وبين المملكة العربية السعودية التي تمثل نموذجا تقليديا للحكم الإسلامي (السني) في المنطقة.
المقارنة هنا ليست في صالح مصر علي الاطلاق حيث تم نقل (الحرب علي الإرهاب) إلي داخلها، بعد أن استمرت هذه الحرب تدار من (خارجها) علي مدي عقدين من الزمان. فقد حملت جثث الإرهابيين في حادث quot;رفحquot; الأخير جنسيات دول عربية وإسلامية وأجنبية، ما يعني أن quot;تنظيم القاعدةquot; نجح في اختراق quot;سيناءquot; وجعل (مصر) جزءا من منظومة الإرهاب العالمي، ناهيك عن أن وصول quot;الإخوان المسلمينquot; للحكم ndash; وعلي العكس مما هو شائع ndash; لن يساعد في مواجهة الإرهاب المتأسلم والقضاء علي (العنف) وإنما قد يكون هذا الصعود هو نفسه ما يشجع (الإرهاب) والقوي الدولية في تنفيذ مخططات استهداف مصر وتقسيمها (وتفكيك المنطقة) لإقامة (مناطق أو أوطان) بديلة (وبلدان جديدة) مثلما حدث مع يوغوسلافيا السابقة وغيرها من دول أوروبا الشرقية بعد عام 1990.
العثور (اليوم) علي قنبلة quot;نووية انشطاريةquot; - أمريكية الصنع بها 83 أنبوبة - quot;داخل حقيبة سيارة علي طريق الإسماعيلية (قادمة من سيناء) وهي (تكفي لتدمير مدينة كاملة) حسب الخبراء، يؤكد أن مصر دخلت النفق المظلم للإرهاب وأن التصريحات العنترية (الرئاسية) عن استعادة سيناء بالكامل (هراء) ولن تقنع أحدا بعد اليوم، أما المدفعية الثقيلة والصواريخ والغارات الجوية للجيش في سيناء فهي لم تنل إلا من المدنيين والبدو وليس الإرهابيين المحترفين، ناهيك عن أن عدم اعتقال هؤلاء المرتزقة حرم المؤسسة العسكرية (والولايات المتحدة) من الحصول علي معلومات استخباراتية قيمة عن الهجمات القادمة والعلاقات الممتدة (للتنظيمات الإرهابية) العابرة للحدود.
ان عدم لجوء الجيش إلي (الهجوم البري) الذي كان من الممكن أن يحقق أهدافا ناجحة، يعني أمرين كلاهما (أسوأ من الآخر) بالنسبة لمستقبل الإرهاب في مصر، أولا: أن الجيش لا يمتلك الخبرة اللازمة ولا التدريب الكافي للتعامل مع استراتيجيات الإرهاب وآلياته الحديثة، لأن مصر منذ عقدين من الزمان كانت تستخدم (أجهزتها الاستخباراتية) وقوات الشرطة والأمن المركزي (فقط) في مكافحة الإرهاب. والأمر الثاني أن (مغامرة الجنرالات) لم تكن تستهدف الإرهابيين في واقع الأمر وإنما (إسكات أصوات) المنتقدين في الداخل والخارج (إسرائيل وأمريكا) .. وهو ما حقق انتصارا مجانيا لتنظيم القاعدة وفتح شهية الإرهاب إلي المزيد من التفجير وسفك الدماء في سيناء وغيرها.
في المقابل حققت الاستخبارات السعودية ndash; منذ 11 سبتمبر 2001 - نجاحات ملموسة في مجابهة الإرهاب ليس عبر استخدامها للأجهزة التكنولوجية أو الأقمار الصناعية، وإنما من خلال الاعتماد علي العنصر البشري (المحترف)، فقد استطاعت اختراق quot; تنظيم القاعدة quot; بسبب معرفتها العقائدية وخبرتها بطبيعة الأرض الجغرافية والاجتماعية والسياسية شديدة التعقيد خاصة في quot;اليمنquot;.
وعلي سبيل المثال فقد فشلت الرادارات المتقدمة في رصد والتقاط صور القنابل المتطورة (غير المعدنية) التي يطلق عليها quot;قنبلة الملابس الداخليةquot; - Underpants، وهي النسخة الجديدة المطورة التي كانت تحمل البصمة الجنائية لصانع القنابل في تنظيم القاعدة quot;إبراهيم حسن عسيرىquot;، حيث قام جهاز الاستخبارات السعودي ndash; عقب فشل تفجير هذه القنبلة فوق طائرة ركاب ديتريوت عام 2009 بزرع العميل (المزدوج) داخل تنظيم القاعدة في جزيرة العرب، بهدف إقناع موجهيه بإعطائه هذه القنبلة لتنفيذ المهمة (وقد كان)، وهو ما وفر في شهر مايو الماضي (2012) الكثير من المعلومات المهمة التي مكنت أجهزة الاستخبارات الأمريكية من التعرف علي أحدث توجهات وتقنيات تنظيم القاعدة والقواعد الأخري المرتبطة به بعد أحد عشر عاما من 11 سبتمبر 2001.
[email protected]