قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

إن ردود الفعل على الفيلم المسئ كانت صادمة للادارة الامريكية ولانظمة الربيع العربي التي شعرت بالاحراج امام واشنطن، هو فعلا فيلم مُهين للمسلمين، وردود الفعل كانت يجب ان تأخذ منحى اخر، مثل الخروج الى الشوارع العربية والاسلامية بالملايين لايصال الرفض والشجب لمثل هذه الاعمال المشينة، دون حرق السفارات وقتل السفير، لأن اعمال العنف هذه قد تؤثر سلباً على الرأي العام الغربي، ولكن حصل ما حصل.

ان ما يدفع الشعوب العربية الى التظاهر والتصرف بالشكل الذي رأيناه مرده الى ان هذه الشعوب ما زالت تشعر بالكره تجاه الولايات المتحدة التي تظن بأن علاقاتها الجيدة مع الانظمة وممارسة الديمقراطية تنهي العداء والاعتراض على سياستها من قبل الشعوب، وكذلك لان الحكومات العربية لا تملك وسائل الضغط والاعتراض على السياسة الامريكية اما خوفاً أو الموافقة على ما تقوم به الولايات المتحدة في منطقتنا من غطرسة وفرض لسياساتها، لابقاء العرب تابعين لا شريك في رسم مستقبل المنطقة.

فمن المعروف ان أميركا دعمت انظمة الاستبداد لسنين طويلة، وعندما شعرت بأن هذه الانظمة سوف تسقط بارادة الشعوب التي قررت التحرر من سلطة الاستعباد عمدت الى استغلال الثورات لصالحها واجندتها، لكي لا تخرج الامور عن السيطرة، وهي الان تعاير هذه الانظمة بأن لولا وقوفها الى جانب هذه الشعوب لما تحقق التغيير، ولما وصلت هذه القوى الاسلامية الى السلطة، وهذا ما عبر عنه اوباما ووزيرة خارجيته التي ما فتئت تكرر بأن الربيع العربي ما كان ليحصل لولا الدعم الاميركي، ووصفت الاعمال التي شهدتها بعض الدول العربية بالغوغاء، وان ماحدث ليس هو ما كانت ادارتها تتوقعه من الربيع العربي، وهذا يدل على ان أميركا راهنت على ترويض الانظمة ومن وراءها الشعوب العربية وخضوعها للارادة الامريكية.

ان أميركا تتصرف بعجرفة كبيرة في المنطقة ولم تتخلص من العقلية الاستعمارية، وهي تحاول فرض الطاعة على هذه الانظمة الجديدة، وان سياستها لم تتغير تجاه منطقتنا، تدعي حرصها على الحرية والديمقراطية للشعوب العربية بينما تستثني الشعب الفلسطيني من هذه الحرية وتدعم اسرائيل بكل الامكانات المادية والعسكرية، وهنا يتضح زيف ادعاءات الادارات الامريكية المتلاحقة حول الحرية، وهذا ما لا تفهمه هذه الانظمة التي يجب ان تناضل من اجل فك تبعيتها للولايات المتحدة لا التعاون معها.

ان السياسة الامريكية تعتمد على استغلال ثروات شعوبنا، وهذا ما حصل في ليبيا من خلال تدخل قوات الناتو في ليبيا واستغلال النفط الليبيي واقتسامه باسم الحرية والديمقراطية والتخلص من الدكتاتورية، وهي الان تحاول اقامة المشاريع الاستثمارية في مصر بحجة مساعدتها في الخروج من ازمتها الاقتصادية وربطها بالمساعدات المالية والارتهان لها، ونفس الوضع ينطبق على تونس وعلى النظام اليمني التي تربطه مع أميركا معاهدات امنية.

بعد ثورات الشعوب العربية على الانظمة الاستبدادية والاطاحة بها وصعود احزاب اسلامية الى سدة الحكم، عمدت هذه الانظمة والمسماة ديمقراطية الى متابعة نفس سياسة الانظمة البائدة من حيث التبعية لأميركا، وما زالت تدور في فلكها وتقدم الولاء لها.

فهذه الانظمة ليس من مصلحتها المواجهة مع واشنطن، والسبب هو انها تريد الحفاظ على نفسها، ويبدو ان شعارات العداء لأميركا التي رفعوها في الماضي كانت من اجل كسب عطف وتأييد الجماهير لها.

تفاءلت الشعوب العربية خيرا بالربيع العربي، وظنت ان الوحدة العربية قادمة، وان مصير الامة العربية واحد، ولكن اتضح ان كل ذلك مجرد شعارات مزيفة، وظنت الشعوب المغلوب على امرها انه سيتم المطالبة بالحقوق العربية، ولكن الربيع العربي ابعدنا اكثرعن التفكير بتحرير فلسطين اوالجولان والاراضي العربية الاخرى المحتلة، ويبدو ان هذه الانظمة نسيت العدو الحقيقي، واصبح هم بعض الانظمة محاربة وتغيير بعض الانظمة الاخرى التي لا تتفق معها، وتعمد الى تجييش الناس وتدعمها بالأموال لخدمة اجندتها واجندة من يقف وراءها من الدول الكبرى وخاصة أميركا.

فالديمقراطية غير كافية ان لم تقترن بتغيير السياسات الداخلية والخارجية التي تقوم على الاعتماد على الذات وتأمين الحرية الشخصية وحرية التعبير واتباع سياسات تأمن الظروف الاجتماعية والاقتصادية الملائمة للمواطنين دون تبعية وارتهان للاخرين.

فتباً لهذا الربيع، اذا كانت الدول ستبقى مرتهنة للسياسة والمساعدات الاميركية، تباً لهذه الانظمة التي لا تقدر على انتقاد اسرائيل، لأن القدس وتدنيس المقدسات لا تعني لها شيئاً، تباً للانظمة التي ستبقى رهينة لاتفاقات السلام المُذلة، تباً للاستعباد باسم الحرية والديمقراطية.


كاتب وصحافي فلسطيني