قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

عَقبَ دكتور محمد علي احداش على مقالتي المنشورة في quot;إيلافquot; الأسبوع الماضي (الأحد 20 الجاري) فكتب الآتي: لي سؤال عن آخر ما جاء في المقال، هل يرغب الغرب حقيقة في استقرار المنطقة؟

خاتمة مقالتي تضمنت التالي: quot;ما يحدث عفوياً ليس ضرورياً أن يستمر كذلك، وليس مُستغربا، أو مُستهجناً، أن تقفز الى حلبة الحدث العفوي قوى منظمة ومجهزة، وبالتالي جاهزة، لتغيير المسار، أو المحاولة على الأقل، لصالحها. في هذا السياق، ربما يكون تسريع إزاحة مبارك مصر، بعد بن علي تونس، ثم إعدام معمّر ليبيا ومخربها، والأرجح أن على الطريق عواصم تنتظر دورها، لعل هذا كله، يشكل حلقات تتصل ببعضها لتسهيل إمكانية وصول التيار الإخواني للحكم، على أمل، عند الغرب خصوصا، تحقيق ثلاثين سنة مقبلة من الاستقرار، البالغ الحيوية لمصالح الغرب في هذا الجزء من العالم. ننتظر ونرى، والأرجح لن يطول الانتظار كثيراquot;.

بكل تأكيد، شخصية بثقافة دكتور احداش، إضافة لوعيه السياسي، وعمق تجربته في مناهضة الطغيان الديكتاتوري لحكم معمر القذافي، يدرك جيداً مطاطية مضمون الاستقرار، وتباين مفهومه بين صنّاع القرار على اتساع العالم بشرقه وغربه، شماله وجنوبه، وهؤلاء يتأثرون بما يمدهم به من يشكلون بالنسبة إليهم خزانات التفكير، الذين يتولون إعداد الدراسات، وضع الاحتمالات، ومن ثم تقدير الحسابات، والذين هم بدورهم أيضا ينتمون لمدارس مختلفة، وعقائد متباينة، فما هو quot;استقرارquot; عند بعضهم، ربما هو quot;جمودquot; لدى غيرهم، أو quot;تكاسلquot; في اغتنام فرصة إن ضاعت، ضاع معها احتمال ضمان مصلحة جهة ما، في بلد ما، لفترة أطول من الزمن.

نقاش ضيوف السيد محمد بن غلبون (دكتور احداش أحدهم) رئيس الاتحاد الدستوري الليبي، وهو من أوائل معارضي انقلاب أول أيلول/سبتمبر 1969، كان في معظمه حول الإجابة عن سؤال يتعلق بأسباب استمرار حكم القذافي أربعين سنة، أو لنقل طوال خمس وثلاثين سنة، إذا جرى خصم السنوات الخمس الأولى، كما قلت من قبل، وأقول الآن، باعتبارها فترة وقع فيها ليبيون كثيرون في فخ وَهمٍ صوّر لهم أن الفساد استشرى في أوصال الحكم الملكي، وأن سوء الوضع بلغ مرحلة مرض عضال ليس ينفع معه سوى الاستئصال، بينما على المستوى العربي وقع كثيرون من غير الليبيين، وأنا منهم، في خداع وهمِ أملٍ أن الحكم الجديد يشكل أحد مظاهر رد على هزيمة حزيران/يونيو 1967، رد قومي بدا آنذاك انه ضروري للنهوض بأمة عربية صُعِقت إذ رأت، بأم العين، جيش اسرائيل يلتهم في ستة أيام مساحات شاسعة من اراضي ثلاث دول عربية، على رأسها مصر، الدولة الأكبر عددا وعتادا. تشعب بنا النقاش، وتفرّع عن كل جواب أكثر من سؤال، وكان لا مفرّ من العودة إلى أصل الحكاية، كما تحكي الأمثال الشعبية: مَنْ مَكنّ الملازم معمر القذافي، ذي الثامنة والعشرين من العمر، أن يتسلَّم خلال بضع ساعات، وبسهولة مَن يستلم رسالة مِن ساعي بريد، سدة حكم بلد شاسع كما ليبيا ويتحكّم بثروة في حجم ثروتها، بإسم ثورة وطنية، عروبية، ولاحقاً عالمية إنسانية؟

الغرب، بالطبع، ومن غيره، إنما هل هذا الحسم في الإجابة ينطلق فقط من quot;عقدة المؤامرةquot; وهاجسها؟ كلا، مراقبون كُثر، وبين المشاركين في النقاش من يتفق معهم، يرون أن التنافس البريطاني-الأميركي على التحكم بمركز صنع القرار في طرابلس كان بلغ أشده في السنوات الخمس الأخيرة من حكم ملك ليبيا، محمد إدريس السنوسي، حتى أن ولي عهده، الرضا السنوسي، فوجىء بعرض أميركي لتسهيل انقلابه على الملك، لكنه رفض بحزم، ومع ذلك لم تؤخذ إشارة كهذه بالجدية المتناسبة مع خطورتها. في نهاية مطاف تحضير البديل للحكم الملكي، كان قِطاف الثمرة من نصيب واشنطن، تكليلاً لجهود ديفيد نيوسوم، آخر سفرائها في ليبيا الملكية، كما يرى عدد من المراقبين. يعيدنا هذا الى السؤال، لكن لماذا صبرَ الليبيون كل تلك السنين الطوال؟ بالتأكيد، بطش أجهزة القهر، في ليبيا أو غيرها، كفيل بإرغام البشر على الصمت. إنما، إضافة لذلك، سمعت خلال النقاش محاججة تلفت النظر (أشرت اليها على نحو مختصر بمقالة الأسبوع الماضي) خلاصتها أن ضعف الإحساس بالانتماء لدولة قائمة على شرعية دستورية، يُسهِّل لزعيم الانقلاب، في أية دولة، سرعة التحكم برقاب الناس، بمعنى لو أن مواطني أية دولة يقوم حكمها على أسس شرعية دستورية، آمنوا أن وطنيتهم تتطلب الذود عن دولتهم تلك، لما تمكن العسكريون من تنفيذ أي انقلاب، سواء في ليبيا أو غيرها.

تبدو المحاججة منطقية، لكنها تجر الى تساؤل ذي شقين، أولهما هل أنها تعني أن أغلب الليبيين لم يكونوا راضين عن مسار الحكم الملكي، ولا عن شرعيته الدستورية، وبالتالي فدولته لم تكن دولتهم، ولذا تخلوا عنها فور سماع خبر الانقلاب العسكري، تُقدِم له مارشات الموسيقى العسكرية، ويتبعها نشيد quot;ألله أكبرquot;؟

أما ثاني الشقين فهو هل نتوقع أن يهب مواطنو دول عربية عدة، هنا وهناك، في المشارق أو المغارب، للذود عن كيان الدولة، وصد أي مُنقَلبٍ عسكري على حكمها الشرعي، باعتبارها دولتهم كما هي دولة من يحكمهم، ومن ثم فالحرص على استمرارها جزء من نسيج وطنيتهم؟

أعترِف، ليست لديَّ إجابات عن أي من الشقين، ربما تتوفر لغيري ممن هم أخبر مني وأَعرَفْ. إنما يخطر لي أن مجمل الأمر متصل بما تعرّض له سؤال دكتور احداش، حول ما اذا كان الغرب يرغب حقيقة باستقرار المنطقة. في تقديري - مع الأخذ في الاعتبار تباين مفهوم quot;الاستقرارquot;- أن الإجابة باللغة البرقية كالتالي: نعم، الغرب يهمه أي استقرار يضمن مصالحه.

أما الخوض في التفاصيل، فسيجر الى فحص يدقق ويمحص أكثر من جزئية. مثلاً: من المقصود بـ quot;الغربquot;، هل هو دولة، أم دول؟ وهل quot;الاستقرارquot; المناسب لمصلحة دولة ما، هو ذاته المنسجم مع مصالح غيرها، أم أن ثمة quot;استقرارquot; هو الأنسب لآخرين حتى في حال كانوا ضمن تحالف يجمعهم؟

ليبيا ذاتها، من تسهيل إطاحة الحكم الملكي وتسليم التركة لمجموعة من صغار الرتب بالجيش، إلى غض الغرب النظر عن طغيان القذافي في الداخل، والإدانات اللفظية لمغامراته في الخارج، سنين طوال امتدت حتى ثورة الليبيين عليه، ليبيا هذه مثال جيد، في تقديري، لمحاولة فهم أين تلتقي، ومتى تتقاطع، مصالح دول الغرب مع مفهوم الاستقرار في أي من الدول، او المناطق، ذات الصبغة الحيوية/الاستراتيجية.

يبقى أنني حاولت، منذ بدأت المقالة، لكن ما استطعت، تجنب التفكير بعكس سؤال الدكتور احداش، على النحو التالي: هل يرغب عرب المنطقة حقيقة باستقرارها؟ بالطبع، مرة أخرى، أي عرب، وأي استقرار؟ بحث يطول ويحتاج لمقالة أطول، خصوصا أن الأسئلة تتكاثر والحيرة تكبر، فيما المرء يتابع ما جرى ويجري منذ اندلاع ثورات ربيع العرب.

nbsp;
nbsp;