سمعت الكثير عن المذهب الشيعي.. ولكني لم ولا أريد أن أفهمه.. فأنا أؤمن إيمانا مطلقا بأننا بشر.. لم ’نخيّر بشيء.. وأن هذه الحقبة المليئة بالكوارث والأزمات ليست من ’صنع أحد سوى عدم التطوّر وعدم الوعي والفهم العميق للتغيرات العالمية.. اما التنصل المستمر من مسئولية ما يحدث.. فليس سوى الخوف من مواجهة النفس والتعامل بمسؤولية وموضوعية بحته.. بإيجابياتها وسلبياتها.. عما جرى وما يجري من حولنا.

حقيقة أن هناك مسؤولية كبيرة تتحملها الأنظمة السياسية التي ولّت نفسها كافلآ وكفيلآ للإنسان العربي.. وعملت على عدم تأهيله كبشر للتغيرات.. ولكننا مسؤولون أيضا أمام ضمائرنا عما يجري وما قد يواجه أجيالنا مستقبلآ.

لنأخذ التاريخ الحديث حقبة.. حقبة.. بدءا من تخلص المنطقة العربيه من الإحتلال العثماني الذي ترك المنطقة في ظلام دامس.. ثم عهد الإستقلال.. وما تبعه من تقسيم المنطقة لدول ودويلات.. ’شرّعت بحدود رسمها سياسيون غربيون.. ونصّبوا عليها كل من يستطيع ويتقبّل التعامل معهم وحماية مصالحهم الإقتصادية.. ورضي الإنسان العربي بكل هؤلاء الحكام.. ولكن وأيضا وحسب التعاليم الدينية والثقافة العاقرة.. أطاع وصبر.. وبجهل ’مطبق رضي بفسادهم.. وبإنعدام العدالة الإقتصادية.. والفشل السياسي.. والشروخات الإجتماعية.. وغيرها.

أول ضربة.. كانت النكبة الفلسطينية.. وكلنا يعلم بتواطؤا بعض الحكام العرب فيها.. وأيضا بمحدودية الوعي العربي آنذاك..الذي رفض أي من أنصاف الحلول.. بدءا من الورقة البيضاء التي عرضتها بريطانيا بعد وعدها المشؤوم ( وعد بلفور 1917 ) في محاولة إصلاح ما أفسده هذا الوعد.. ثم رفض قرار التقسيم 181.. والتعنّت الإسرائيلي الحالي ومسلسل التنازلات المتأخرة.. وإستمرار النكبة حتى يومنا هذا.

الضربة الثانية.. كانت هزيمة 67.. بعد أحلام القومية العربية.. التي زرعتها خطابات عبد الناصر.. والذي وبرغم حسن نواياه.. إلا أنه أفلس الخزينة المصرية على حروب لا نتيجة لها سوى إستعداء قسم كبير من الدول العربية.. التي تبنت حركة الإخوان المسلمون خوفا من طموحاته وأحلامه التي لم يضع لها إستراتيجية مناسبة تعتمد مخاطبة الإنسان والأنظمة العربية بخطاب ’يلبي طموح وإستقرار كل منهما.. و’بعد نظر في التعامل مع المتغيرات الدولية آنذاك.. وبرغم ’بعد نظرة في تحجيم المد الإخواني آنذالك إلا أن إقتصار خطاباته على دغدغة المشاعر العربية بإستعداءها على الدول الغربية.. بدون النظر إلى المصالح الإقتصادية المشتركة بينها.. أدى إلى إستعداء العالم الغربي أيضا.. خوفا على مصالحه الإقتصادية. والتي لا يستطيع إنسان العيش بدونها. فما بالك بحكومات مسؤولة عن توفير أقصى ما تستطيع لحماية مواطنها إقتصاديا.. لكي تضمن الإستقرار والإستمرارية.

الضربة الثالثة.. كانت في قرار الرئيس السادات.. في سعيه للحفاظ على الكرامة المصرية من خلال توقيع معاهدة كامب ديفيد ثم مفاوضات ادت إلى الإنسحاب الإسرائيلي الكامل من سيناء.. بينما تخلت كل الدول العربية عنه..مما أدى إلى إدراة ظهر حكومة السادات للعالم العربي سعيا وراء حماية المصالح المصرية والأمن المصري.. ولكن فشله الذي ’يحسب علية ودفع حياته ثمنا له.. كان في فتح الساحة المصرية الأبواب على مصراعيها لحركة الإخوان.

الضربة الرابعة.. وربما القاضية على منطق القومية العربية وفكر الأمة العربية الواحدة.. كانت في الثورةالإيرانية 1979... التي تحايل فيها الخميني على الدولة الفرنسية حين أقنعها بأنه سيعمل على تثبيت حكم ديمقراطي مماثل لما هو قائم في فرنسا.. إلا أنه وبعد عودته إلى إيران..غيّر من أولوياته.. بحيث قرر بأن الدين هو الطريق الوحيد الذي سيؤدي إلى هيمنة إيران إقليميا.. ثم دوليا وهو الحلم الذي طالما راود الدولة الإيرانية..للإرتقاء بالإسلام إلى مستوى العالمية.. والمشاركة في صنع القرارات الدولية.. ولكن وبرؤية دينية بحتة.

الثورة الإيرانية لم توقظ جني الطائفية النائم في القمقم العربي فقط والذي عانى من التهميش وعدم مساواة حقوقه مع المواطن السني في وطن واحد, بل عملت على تصدير الإسلام السياسي إلى دول الجوار.. متلازما مع قصر نظر المملكة السعودية الغنية وإستعمال جزء من ثروتها البترودولارية في نشر الإسلام عن طريق المدارس الإسلامية في كل بقاع العالم.. كلاهما تنافس في تصعيد الإسلام السياسي وإن كان بإختلاف الطريقة والنية.

الضربة الخامسة.. كانت في الغزو الأميركي للعراق.. والذي مهد لفتح الباب على مصراعية للنفوذ الإيراني للدخول وإستغلال وجود الطائفة الشيعية ومساعدتها على الوصول إلى السلطة. بحيث تحوّلت الطائفية إلى مؤسسات سياسية بدون أي إعتبار لمبدأ المواطنية والمحاصصة مع السنة.

الضربة السادسة... والتي جاءت نتائجها بما لا تشتهي السفن.. بسبب عدم الوعي التام بمبادىء الديمقراطية.. وإستغلال الإسلام السياسي كل الطرق للوصول إلى السلطة.. بداية مرحلة الإنهيار العربي.. بعد الآمال الكبيرة التي حملتها مرحلة إنطلاق الإنتفاضة العربية.. عام 2010.. في تونس ومصر واليمن وليبيا وسوريا..، وبداية مرحلة الإنهيار العربي التي نعيـشها الآن، مرحلة السقوط العربي الذس لا يستطيع أحد التكهن بإنتهاؤه أو إيقافه.. خاصة ومع إستمرار عدم وجود حل للمصيبة السورية.. والتي إستنفرت لها إيران ووقفت بالمرصاد لمنع سقوط النظام السوري.. لأنها تهدد نفوذها في المنطقة.. سواء في العراق. أو في لبنان.. ومحاولاتها المستمرة في التسلسل للمنطقة الخليجية.... وتقف عقبة في طريق تحقيق حلمها الأكبر... السؤال الهام الذي يواجه المنطقة.. فيما إذا كانت أميركا ستتخلى عن تحجيم النفوذ الإيراني والطموحت النووية الإيرانية.. في سبيل القضاء على التطرف السني الممثل بالدولة الإسلامية.

سيدي القارىء،

تتساءل ما هي الحلول.. كيفية الخروج من مأزق الطائفية.. كيف نستطيع تحجيم النفوذ الإيراني.. كيف نستطيع القضاء على فكر الدولة الإسلامية التي تهددنا جميعا.. بالتاكيد ليس هناك من حلول سحرية.. ولكن بالتاكيد هناك خطوات تساعد في الوصول إلى حلول.. على قمتها يركن الإعتراف بالواقع الإقليمي والواقع الدولي بمتغيراته.. الواقع الإقليمي يؤكد رفض الهوية الإسلامية التي تسببت بإحراج المسلمين.. وفي ذات الوقت يؤكد على إختلافنا مهما تشدّقنا برومانسية وحدتنا, فهناك المصري.. والسوري.. والأردني.. والقطري.. والكويتي.. وغيرهم... وفي كل قطر فيه مسلمون ومسيحيون ومعتنقي ديانات أخرى.. تجمعنا صلات المواطنة وإحترام حرية الآخر والقدره على التعايش في الدولة الواحدة.. ولكن وفي الإطار الإقليمي تجمعنا المصالح الإقتصادية لأننا في منطقة واحدة.. لقد نجحت الوحدة الأوروبية حين رسخت في وعي مواطنيها المختلفون بأنه ورغم إختلاف لغاتهم وبعضا من ثقافاتهم..فإن مستقبلهم مرتبط.. وهذا المستقبل لم يكن السياسي ( الذي روّج له عبد الناصر ).. بل كان الإقتصادي.. الأمن الغذائي.... والتخلص من البطالة.. ولكن وعلى قمة ذلك المواطنة...المساواة بين المواطنين في الوطن الواحد.. لا تتحقق بدون نظام ديمقراطي.. بدون قانون واحد يحتكم إلية المواطنون جميعا.. بمساواة. وبعدل يضمن الإستقرار السياسي لكل دولة على حدة... بهذا نستطيع تقوية الجبهة الداخلية ضد تطرّف الدولة الإسلامية.. وضد النفوذ الإيراني الذي يسعى للهيمنة على الإنسان العربي. والأنظمة العربية!

&

- منظمة بصيرة للحقوق الإنسانية&

&