عرف العراقيون منذ القدم بتقديسهم الحياة الدنيا لا الموت، ولم يخضعوا الحياة الدنيا كما الأديان الحالية لضرورات الموت، بل على العكس أخضعوا الموت لضرورات الحياة الدنيا، فكانوا في العهود السومرية والبابلية والآشورية، يبجلون كل أنشطة الفرح الإنساني من حب وخمر وغناء وشعر وموسيقى، وكانت معابدهم صوامع للحب والإنشاد الروحي، وبغداد في كل عصورها عرفت باحتفائها بكل ما عكسته لنا ألف ليلة وليلة من مباهج ومتع وانطلاق جنبا إلى جنب مع العمل والإبداع، والحرص على القيم العليا!

البعض يريد أن يجد مبررا لأحزان العراقيين وبكائهم اليوم بإرجاعها لأحزان عشتار والعراقيين القدماء على تموز، أو غيرها من الطقوس الأسطورية، وهذا تعسف وتجاوز للحقائق، فالممارسة القديمة كانت حالة وجودية وإنسانية عامة، وهي تتفجع على ما يتركه الموت وراءه من فراق ووحشة وقلق، وتنعي خصوبة الأرض التي أماتها الملح، وربيعها الزائل. وتتوسل المطر والنماء.والخير!

وما يجري اليوم من إشاعة للأحزان ونشر للرايات والثياب السود هو تحريك سياسي ونزعة طائفية ضيقة. وشتان بين هذا وذاك. لا يمكن تجاهل دوافع الحزن البشري وحتميته، وإمكانية جعله ينبوعا للخلق والإبداع والتحدي حيث إن كل إبداع في الدنيا مهما يحمل من فرح وبهجة يحمل شحنة من الحزن والأسى أيضا، وهذا غير ما نراه اليوم في هذه المسيرات الجماهيرية المليونية من بكاء متواصل ولطم على الصدور وشج للرؤوس وتراتيل مؤلمة ونواح جارح على مدار السنة، كل ذلك يحيل الرائي إلى نواياها، لا إلى مظاهرها وحسب،ويزيده شكوكا في طبيعة النفس البشرية!

لمئات السنين كانت طقوس الزوار الشيعة العراقيين تتسم بشيء من الهدوء والبساطة، لكن حين سيطر البويهيون الفرس والصفويون على العراق، في حقب زمنية متفاوتة بعيدة أدخلوا إلى طقوسهم الكثير من المظاهر الدموية الخطيرة والمدمرة!

واليوم وفي ظل الهيمنة الإيرانية على العراق من جديد؛ ظهرت بدع أليمة وقاسية لم تكن معروفة في العراق ولا في الوسط الشيعي، جعلوا فيها شبابهم يزحفون على بطونهم في الأرض الوعرة، وينطحون الجدران حتى يشجون رؤوسهم،ماسخين آدميتهم، معرضين حياتهم للموت أو الإعاقة الجسدية والعقلية، ولم ينج حتى الأطفال من هذه القسوة العارمة. وفي إيران اليوم معامل تصدر الزردات "الزناجيل" والقامات والحراب والسكاكين وكل أدوات جلد وتدمير الذات إلى العراق، فيبتلي بها شباب كان يمكن ان يصبحوا طلاب علم ونور وثقافة ومبدعين،لا قاتلين ومشوهين لأنفسهم دون جدوى! ومناسبة لكي يظهر فيها قادة الأحزاب الطائفية مواهبهم في طبخ الهريسة وتوزيع أطباقها بأياديهم الكريمة على الفقراء، فهي اللقمة الخالدة التي سيظلون يعيشون عليها وعلى الطوى حتى مناسبة قادمة!

تصون لائحة حقوق الإنسان، والقوانين الحضارية حرية العبادة للشخص، شرط أن يؤديها دون أن يؤثر سلبا على حياة الآخرين، أو يتسبب في أذاهم، فيقوم بها في بيته أو معبده كما يشاء، بينما الذي نراه اليوم في العراق أنها صارت ذات تأثير ضار هائل على الناس من الذين لا ناقة لهم فيها ولا جمل، إذ هي مظاهرات سياسية كبرى تحتل المدن والطرق العامة وتشل الحياة العامة معظم أيام السنة وتستنزف خزينة الدولة التي لجميع أتباع الأديان والطوائف الأخرى حق فيها. وفق أي قانون يقدم وزير النفط الحالي برميلا من نفط الشعب العراقي مجانا لرجال

يسمون أنفسهم بأصحاب مواكب؟ من خوله التصرف بهذه الثروة الطائلة؟ هل أخذ موافقة البرلمان؟ أليست هذه محاولة مفضوحة لدعاية انتخابية متقدمة يريد بها كسب السذج من الناس، والضحك على الذقون؟ لماذا لا يحاسب؟ ولكن كيف يحاسب وقوات كبيرة من الجيش والشرطة مشغولة بهذه المظاهرات السياسية الملفعة بالمقدس، في الوقت الذي لازال الإرهاب والفساد يبطش بالعراقيين كل يوم!

هذه المظاهرات أضحت اليوم لدى قادة الأحزاب الطائفية ليست طقوسا تؤدى لوجه الله، بل هي تعبئة سياسية؛ لا ينظر فيها إلى الجسد الدامي إلا كبطاقة انتخابية!

إنها ممارسات تضر الشيعة قبل غيرهم، فهي تخنق مدنهم بأسلاك المقدسات الشائكة، وتضييق عليهم حياتهم، وتلغي مستقبلهم الحضاري، وتسيء إلى سمعتهم كثيرا! لذا فمن يحب الشيعة ويتمنى لهم الخير؛ هو من ينصحهم بالكف عنها، أو بالحد من غلوائها، ومن يكرههم ولا يريد لهم خيرا؛ يدفعهم إليها، ويزكيها لهم!

&

الجزء الاول