هذا اليوم، بينما كنت في مشوار، صادفتني سيارة يستقلها شبّان. كانت ثمة أغنية تعبوية تلعلع في المسجّل. أغنية شعبية الإيقاع من التي تشيع منذ سنواتٍ في العراق حتى أنها باتت ملمحا من ملامح مشهده الغنائي. بدا الشبان منسجمين مع الطبول والكلمات النارية، شأنهم شأن أغلب العراقيين الذين انبعث عندهم حسٌّ وطنيٌّ جديد بعد سقوط نظام صدام، حسٌ ذو عقيدة مختلفة تتجه بوصلتها من ذلك "الصوب" إلى هذا، أي إلى حيث تأتي المفخخات والإرهابيون كما يشيع في الضمير الشعبي. العرب هم أعداؤنا، هذا ما يردده العراقي الجديد مع نفسه، يدندن به أو يهزج كما أسمع في عشرات الأغاني. قلت – إنه شيء يدعو للتأمل. ثم تذكرت أنني شاهدت شيئا غريبا قبل فترة. كان هناك حفل عرسٍ مررت قربه وإذا بالمغني يلعلع بأهازيج وطنية أيضا، أهازيج تسترخص الموت دفاعا عن الجماعة والأرض والعرض. الإنفعال على أشده كان و"الدين المدني"، كما يعبر بيار بورديو يعرب عن هويته بقوة.
في الثمانينات حدث شيء مماثل. يتذكر أبناء جيلي كيف ضُّخ "دين مدني" مختلف لتعبئة الناس في الحرب. مئات الأغاني والأناشيد أزاحت أنواع الغناء الوجداني الأخرى فنشأ جيل ثقافي عنيف، جيل عدمي تتساوى عنده القيم. كانوا شبانا حطّم "الرقص على أكتاف الموت" ركبهم وأذرعهم وشوّه دواخلهم بحيث أصبحوا ما كانوا عليه في حرب الخليج الثانية وما بعدها من فصول. كانوا يتغنون بتلك الأناشيد غير واعين أنها سوف تشكّل ثقافتهم: يا كاع ترابك كافوري..عل الساتر هلهل شاجوري!
الحروب تنتج أجيالا متشابهة دائما والتحديات الوجودية لها فعل الخمرة في الروح والوجدان. لهذه الخمرة كؤوسٌ من أغانٍ وأهازيج تُبتعثُ من متخيل الجماعة الكامن ليسكر بها الفتيان من أمثال ركاب السيارة التي صادفتها. فكرت بهذا متذكرا أننا نعيش حقبة عراقية خطيرة لا تختلف عن الثمانينات، مزاج الحرب والشعور بتهديد الهوية يكادُ يسكر الجمهور كله. المهوال يستعيد دوره ويرافق الجنود في معارك المدن. لقد رأيت ذلك أكثر من مرة في التلفزيون حيث كان المسجل يلعلع في الناقلات: نومة ذيب تنام عيوني ..الكل يريدون يغدروني ..واقره بجنسيته ملك الموت عراقي! كان الجنود يقاتلون بنشوة على وقع تلك الأغاني.
هذه الثقافة تكونت منذ سنة 2005 حين تدهور وضع العراق الأمني. ثم، ببطٍ قاتل تكون رأي سائد يفيد أن الانتحاريين العرب هم الذين يغزون البلد، أن العراق مكروه من محيطه، وأخوته، مثل أخوة يوسف، يريدون إلقاءه في الجبِّ. شاعر شعبي كان قد ذكرنا بالحكاية فشاع تشبيهه شيوع المفخخات في الشوارع.
إنهم يتآمرون علينا؛ يقال هذا هنا قبل احتلال الموصل، ولكن "التآمر" تحوّل إلى حربٍ معلنة بعد التاسع من حزيران 2014، كما يقال هنا أيضا. الشبان باتوا يؤمنون بهذا كإيمانهم أن العراق صار أسدا جريحا يتعرض لطعنات من "غادرين" صغار. أين سمعتم مثل هذه الأفكار؟ من صدام حسين طبعا قبل احتلال الكويت. ذلك الرجل كانت جُرحت نرجسيته بعد قتاله الطويل لإيران نيابة عن العرب، قال ـ قطع الأعناق ولا قطع الأرزاق، ثم قفز قفزته المجنونة. أراد إثبات أن "العراق عظيم" ولا يمكن شكمه. غالبا ما تتشابه الشعوب النرجسية حين تتعرض لمثل هذه اللحظات. هل تتذكرون مصر في حزيرانها عام 1967؟ كانت نكستها "وكسة" مذلة، وبقدر إذلالها كانت القفزة في حرب تشرين 1973. خمرة المحاربين فاحت رائحتها عندهم أيضا في عشرات الأغاني التعبوية، الباثة مفردات النرجسية الهائلة في ذات مكسورة.
وضع العراق بعد نكسة الموصل يبدو شبيها. صدام حسين يتنفس من جديد عبر الشعراء أنفسهم، الأهازيج تسفح خمرتها معبئة المشاعر ضد العرب. في السيارات والبيوت، في الأعراس والفضائيات. ثمة شعور بالإذلال يختمر في روح العراق، شيعة وسنة. صورة الأسد الذي يحوم حوله الذئاب لا تبارح المتخيل الشعبي وهي تلوّن كلَّ يوم بما يجملها ويحولها لخرافة مقدسة تحرك الملايين.
على العرب جميعا أن ينتبهوا للأمر قبل فوات الأوان. عليهم استيعاب العراق والتعامل معه بما يليق به، داروا نرجسيته، تفهموه، فهو بلد المجانين والعباقرة، كونه منزوع الأنياب اليوم لا يعني أنه سوف يظل كذلك. لقد أنتج صدام الذي تعرفونه فلا تدفعوه دفعا للبحث عن صدام جديد.
&