قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

مع التأكيد على أن انحسار الوجود المسيحي في المشرق الى مستويات مقلقة، هو مسؤولية الحكومات والشعوب الاسلامية بالدرجة الأولى. لكن حكومات الدول الغربية هي الأخرى تتحمل قسطاً كبيراً من المسؤولة عن محنة ومآسي مسيحيي المشرق،تالياُ عن هجرة و تهجير المسيحيين من أوطانهم الأم في هذا المشرق، الذي كان يوماً "شرقاً مسيحياً" بامتياز، واليوم بات "شرقاً اسلامياً" بامتياز. لا ندري غداً ماذا سيكون؟.فالمتابع لتاريخ سياسات الغرب حيال مسيحيي المشرق، يدرك جيداً بأن هذا المكون المشرقي الأصيل وقع ضحية دسائس السياسيين الغربيين وضحية مصالح دول الغرب الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية في هذه المنطقة الحيوية من العالم، خاصة بعد اكتشاف النفط فيها. حتى يمكننا القول : بأن الغرب قايض "دماء مسيحيي المشرق" بـ"النفط الاسلامي". في اطار هذه السياسات الغربية، علينا أن نضع ونفسر صمت وسكوت أمريكا وحلفائها الغربيين عن محنة ومأسي مسيحيي العراق وسوريا، الذين يتعرضون منذ سنوات الى عمليات ابادة وتطهير عرقي وديني على ايدي المجموعات الاسلامية المتشددة.

على مدى عشر سنوات من الاحتلال الامريكي للعراق( 2003- 2011) تلقى مسيحيو العراق معظمهم (كلدوآشوريين سريان)، سكان العراق الأوائل، ضربةً قاتلة في صميم حياتهم ووجودهم، حيث انخفض تعدادهم الى مستويات مخيفة ومقلقة. وقد كشفت صحيفة (الديلي تلغراف) البريطانية في تقرير لها نشر يوم الاثنين23/12/2014، أن 1500 مسيحي كل ما تبقى بمنطقة الدورة في بغداد من مجموع 150 ألف شخص،معظمهم من الاشوريين والكلدان الكاثوليك، كانوا يعيشون فيها قبل أن يغزوا الأمريكان والبريطانيون البلاد عام 2003 ". وتختتم الصحيفة تقريرها، أن "السكان المسيحيين انخفضوا في العراق بمعدل ثلثين الى ثلاثة ارباع عددهم عما كانوا عليه عام 2003 ".

السياسات البريطانية والفرنسية في الماضي لم تكن افضل حالاً من السياسات الأمريكية تجاه قضايا وحقوق مسيحيي المشرق. فأمام أنظار جيوش بريطانيا العظمى ارتكبت قوات السلطنة العثمانية "المذبحة المسيحية الكبرى" عام 1915،التي قتل فيها نحو مليون ونصف مليون أرمني ونحو نصف مليون آشوري(سريان/كلدان) وترحيل مثلهم من مناطقهم التاريخية، رغم أن الأرمن والآشوريين وقفوا الى جانب بريطانيا وحلفائها في الحرب العالمية الأولى. وفي آب عام 1933، تواطأت القوات البريطانية المحتلة للعراق مع الجيش العراقي في سحق "الانتفاضة الآشورية" وارتكاب مذبحة مروعة بحق أهالي بلدة (سيمل) الآشورية، حيث قتل فيها بطريقة وحشية وبربرية أكثر من خمسة آلاف آشوري وهُجر أضعافهم،جلهم من النساء والأطفال والشيوخ. في سوريا، عام 1937،بتواطؤ من القوات الفرنسية المحتلة لسوريا، ارتكب بعض مشايخ وآغاوات الأكراد مذبحة مروعة بحق الآشوريين السريان المسيحيين في بلدة (عامودا) بريف القامشلي في محافظة الحسكة.

أظهرت خريطة جديدة للشرق الأوسط، وضعتها ونشرتها دوائر الاستخباراتية الامريكية، بأن لا مكان فيها لمن تبقى من مسيحيين في الدول المشرقية، التي وضعت على المشرحة الطائفية والمذهبية والعرقية، تمهيداً لتقسيمها. في سياق المقاربات الأمريكية الخطيرة لقضايا وهواجس مسيحي المشرق، نذكر بما قاله وزير الخارجية الامريكية الأسبق ( هنري كيسنجر) للرئيس اللبناني(سليمان فرنجية) إبان الحرب الأهلية اللبنانية في سبعينيات القرن الماضي، قال كيسنجر لفرنجية: "ان المخطط القادم هو تجزئة المنطقة الى دويلات طائفية، سنية وعلوية ودرزية وشيعية وكردية ".لم يذكر كيسنجر (دولة مسيحية). سأله فرنجية: ماذا عنا نحن المسيحيون؟. اجابه "البواخر تنتظركم على الشاطئ لترحيلكم". كلاماً بذات المعنى سمعه البطريرك اللبناني (بشار الراعي) من الرئيس الفرنسي السابق ( نيكولاي ساركوزي ) عندما ابدى الراعي تخوفه من مضاعفات الحرب السورية على مصير مسيحيي سوريا ولبنان والمشرق، بعد أن تنامى دور التنظيمات الاسلامية المتشددة في هذه الحرب. إذ قال الرئيس الفرنسي: " يوجد مليون ونصف مليون مسيحي في سوريا ومثلهم في لبنان، أوربا مستعدة لاستقبالهم إذا أنتم تخشون الاسلاميين". ليس بعيداً عن هذه المواقف والسياسات الغربية المخزية تجاه محنة مسيحيي المشرق، قال الرئيس الامريكي باراك أوباما " إننا سنضرب مواقع تنظيم الدولة الاسلامية(داعش) إذا ما اقترب مسلحيه من اربيل ". كلام أوباما، قاله بعد أن قام مسلحي داعش بطرد مسيحيي الموصل وسهل نينوى والمقدر تعدادهم بأكثر من 200 ألف عراة حفاة وحرق كنائسهم ومصادرة جميع املاكهم في تموز الماضي، يؤكد من جديد على عدم اكتراث الادارة الامريكية بمصير ومستقبل مسيحيي العراق والمنطقة، اللذين تركوا من غير حصانة وطنية ومن دون حماية دولية يلاقون مصيرهم المحتوم على أيدي التنظيمات الاسلامية المتطرفة.

على اثر الانتقادات الحادة التي وجهت للإدارة الامريكية على ما حصل لمسيحيي العراق وعدم فعلها اي شيء لأجلهم واحتمالات أن يحصل ذات الشيء لمسيحيي سوريا، احتضنت العاصمة الأمريكية (واشنطن)، في التاسع من شهر ايلول الماضي مؤتمراً تحت شعار "الدفاع عن مسيحيي المشرق" شارك فيه ابرز ثلاثة بطاركة المشرق، التقوا الرئيس باراك أوباما ومستشارته لشؤون الأمن القومي(سوزان رايس) وقد سلم وفد البطاركة المستشارة (رايس)، مذكرة تتعلق بأوضاع المسيحيين في الشرق طالبوا فيها بتوفير ملاذ آمن لمسيحيي العراق بحماية دولية بعد أن فشلت الدولة العراقية بحمايتهم ولطالما تكفل المجتمع الدولي ممثلاً بالأمم المتحدة بحماية الشعوب والأقوام المهددة بوجودها. في ضوء المواقف والسياسات الأمريكية والغربية السلبية من قضايا وحقوق مسيحيي المشرق، من غير المتوقع أن تستجيب الادارة الامريكية لنداء بطاركة المشرق الخاص بحماية مسيحيي العراق. أربعة اشهر مضت على عقد المؤتمر من غير أن تقوم الادارة الامريكية حتى الآن بأية خطوات عملية لجهة حماية مسيحيي العراق وتوفير ملاذ آمن لهم، كما فعلت لأكراده 1991.

أخيراً: مثلما اقتضت في الماضي المصالح البريطانية والفرنسية ألا يكون للآشوريين المسيحيين(سرياناً و كلداناً)،كياناً قومياً، ولو على جزء من وطنهم التاريخي( بلاد ما بين النهرين)، المصالح الأمريكية تقتضي اليوم بألا يكون لآشوريي ومسيحيي العراق "ملاذ آمن" يحميهم من خطر تنظيم الدولة الاسلامية(داعش) وباقي التنظيمات الاسلامية المتطرفة.. لأن "النفط الاسلامي" لأمريكا والغرب هو أهم بكثير من دماء وأرواح مسيحيي المشرق !!!

باحث سوري مهتم بقضايا الاقليات

[email protected]