&
تبوأ الفيلسوفان الألمانيان كارل ماركس وهيجل مكانة تاريخية حين قدما فلسفتيهما المثالية والجدلية، وكان هيجل أول من قدم وجهة نظره في الجدل (الديالكتيك) المثالي وفسر التاريخ بأنه نتاج عملية تقديم فرضيات ومن ثم نفيها ومن ثم النفي النفي وهذا سر ارتقاء حياة الإنسان وتميزه عن بقية الحيوانات، وأكد أنه في النهاية يصل الإنسان إلى مرتبة الحقيقة المطلقة التي تجسدها ثوابت كوجود الله والمسيح والحقائق العلمية، وقد وصفت فلسفته بالمثالية لأنه لم يخرج عن الإطار الاجتماعي في المجتمع الألماني من حيث الدين واللغة والقومية الجرمانية ويعتبر هيجل واضع فكرة الدولة القومية، وكان له تأثير بالغ على الاعتزاز بالعرق الجرماني بل وتفوقه على الأجناس الأخرى، إذ أن فلسفته عمقت اعتزاز الألمان بحضارتهم. وكان ماركس تلميذ هيجل لكنه انشق عنه وأخذ منه مصطلح الديالكتيك فقط وانطلق بالجدلية المادية لتقلب التفكير الإنساني راسا على عقب، إذ نفى فرضية أن الوعي سابق على الوجود، وأصر أن الوجود سابق على الوعي، إذ لولا وجود "كرسي" أمام الإنسان، لما استطاع تكوين فكرة الكرسي في وعيه. ومن ثم أوغل في التفسير المادي للتاريخ، ونفى وجود مثاليات وجعل رسالته إنسانية لكل البشر لا فرق بينهم، وعلى العالم ان يتبنى هذه الفلسفة التي تلغي الفوارق الطبقية ويحصل فيها الإنسان على جميع احتياجاته دون وجود محروم بينهم.&
أين أصبحت هاتان الفلسفتان بعد مرور قرن من الزمان؟ أما فلسفة هيجل المثالية وتفسيره للتاريخ فلم يعد له انعكاسات على واقع الحياة، لكنه ظل من عمالقة الفلسفة ولا يزال يتربع على كتب الفلسفة في الجامعات فقط، فقد قدم هيجل نظرة محافظة للتاريخ وظل يمينيا محافظا ومتمسكا بالثوابت التاريخية التي ورثها عمن سبقه. أما الجدلية المادية، فقد انطفأت شعلتها في بعض البلاد، عقب انهيار الاتحاد السوفيتي 1991 وتنصيب أنظمة حكم ديمقراطية في البلدان التي كانت شيوعية في السابق، ما عدا بعض الدول التي ظلت متمسكة بهذا النظام مثل الصين وفنزويلا.&
إن الفلسفة نهر دائم الجريان، وهناك الكثير من الفلاسفة يحاولون استنباط الواقع المادي بهدف الوصول إلى الوعي المجرد، وإلى فلسفة ليس فيها عيوب، ولكنهم جميعا لم يقدموا تفسيرا لا تناقضه الشواهد أو تنفيه الأدلة.&
في فترة الستينات من القرن الماضي، دخل العالم في فترة ما-بعد-الحداثة or Post-modernism Post-structuralism ووضع الفلاسفة رؤاهم عن العالم ومن أبرزهم فوكو وديريدا، واتخذت الفلسفة منحى جديدا لا يقر بثوابت، وربط كل شيء بسياقه، ولم يحدد فلاسفة ما بعد الحداثة طريقة فهم الكون، بل انتقدوا الطرق السابقة، ووصفوها بأنها تقيد حرية الفكر، فالناس حين يقرأون، يتأثرون بما يقرأون ويتخذون منهجا مشابها لما قرأوا، فالإنسان يصوغ اللغة من ثم فاللغة تصوغه، إذن لا يمكن الادعاء بأن الفكر حر، بل هو مقيد باللغة والنصوص والمفاهيم التي تفرضها تلك النصوص عليه. وهكذا فإن الجدل في مرحلة ما بعد الحداثة هو بين النصوص فكل نص يفرض ذاته وأسلوبه في التفكير.&
وعليه، فقد نفى ديريدا وجود ثوابت، وغير المصطلحات المألوفة، فلا نقول "دول متخلفة" بل نقول "دول أقل نموا" ولا نقول "إعاقة بدنية" بل نقول "حاجات خاصة" ولا نقول "رذيلة" بل نقول "حرية التصرف" ولا نقول "حكم طاغ" بل نقول "حكم شمولي" ولا نقول "إباحية جنسية" بل نقول "حرية جنسية" ولا نقول "فاشل" بل "لم ينجح في شيء معين" إذن لم تعد للكلمات المألوفة دلالة واضحة، وذلك لكي يفسح المجال لدلالات أخرى تقر بوجود حدود للدلالة اللفظية. بمعنى آخر، فالحداثة غيرت مفاهيم الحق والباطل والشر والخير، ومن هنا دعا كثير من علماء النفس ممن تأثروا بأفكار ما بعد الحداثة إلى عدم إدانة المجرمين، لأنه لا يوجد إنسان مجرم بطبيعته، ولكن يوجد إنسان وجد في ظروف معينة أدت إلى جنوحه عن جادة الصواب. وبناء على ذلك، ألغي حكم الإعدام في كثير من الدول، وظهرت ظواهر اجتماعية كثيرة لم نألفها من قبل وأبرزها الجنس الثالث الذي استمد قوة من أفكار ما بعد الحداثة، فصار يجاهر بالشذوذ، الذي هو لم يعد شذوذا أصلا، بل ميول جنسية وهي من حق كل الكائنات، وليس فقط البشر، كما أن الطعام واللباس والمسكن وممارسة الحقوق هي من حق كل إنسان في فكر ما بعد الحداثة، لأنه ليس هناك ثوابت، وكل شيء يتغير حسب تغير الظروف.&
ويبقى أن نقول أن الثورة التي أطاحت بالحكم الشيوعي بحجة الفقر عانت الكثير بعد أن أصبح الحكم ديمقراطيا، وأصبح المشردون يملأون الشوارع، بعد أفلتت الحكومة قبضتها عن قطاعات الإنتاج وقامت بخصخصة قطاعات حساسة إنتاجية وخدمية. وحتى في الولايات المتحدة الأمريكية، كان للنهج الرأسمالي الحر نتائج وخيمة حين توسعت المؤسسات المالية الأميركية في منح قروض سكنية لعدد كبير من الأفراد لتمويل شراء سكنات، وارتفع معدل التمليك السكني في الولايات المتحدة من 64% سنة 1996 إلى69,2% سنة2004 وتم تشجيع هذه العملية من قبل الحكومة الأمريكية بمقتضى القانون الصادر سنة 1977 والذي ينص على إمكانية أن تحصل أي مؤسسة مالية على ضمانات لودائعها المالية من الهيئة الفدرالية للتأمين على الودائع، إذا التزمت بالإقراض إلى أسر أمريكية من ذوي الدخل المتواضع. ونتيجة لهذه التسهيلات عمد معظم الأمريكيين إلى الاقتراض من البنوك لشراء العقارات بقروض طويلة الأجل ولكن كلما تأخر المقترض بالسداد تضاعفت الفائدة ثلاثة أضعاف مما أدى إلى ظهور فرق شاسع بين الأموال الحقيقية والوهمية. ومما زاد الوضع سوءا هو قيام البنوك ببيع القروض مع فوائدها لمؤسسات مالية جديدة مما يعني أن نسبة الربح على القرض فوق القرض مع الفوائد تضاعفت وفاقمت من حجم التضخم بالأرقام دون وجود مال حقيقي في السوق ليسندها.&
إذن، ليس النظام الرأسمالي بأفضل من الشيوعي، ولكن الولايات المتحدة وجدث ثغرة لكي تقنع المجتمع السوفيتي والدول الاشتراكية الأوروبية أن تثور على الحكم الشيوعي وتتبنى الحكم الديمقراطي، بالإضافة إلى انتشار الإنترنت في تلك الآونة الذي جعل الشعوب تطلع على مستوى رفاه الدول الرأسمالية، فقررت الإطاحة بالحكم الشيوعي. إلا أن الشيوعية وأنصارها لا يزالون منتشرين في بقاع الأرض، وحتى البابا في الفاتيكان عاب على الرأسمالية قسوتها ووصفها بأنها متوحشة، لأن عدد فقراء العالم أكثر من الأغنياء، وتتكدس الثروات بيد القلة من الأفراد.&
أما عن الهيجلية، فإذا كان الفضل يرجع لهيجل بإدخال مصطلح الديالكتيك أو الجدل، فإن أسلوبه المحافظ وإقراره بوجود ثوابت لا يستطيع الإنسان تجاوزها، أصبح إرثا من الماضي، وتعالت الأصوات تنادي التعددية الفكرية والثقافية، وأصبحت الفكرة الرائجة هي أنه لا شيء صحيح تماما ولا شيء خطأ تماما، وعلى الجميع التعايش واحترام الآخر، وبات عدد المحافظين أقل من عدد اليساريين المتمردين على ما يسمى بالثوابت، وقد فازت الأحزاب الاشتراكية عدة مرات في الدول الرأسمالية، وقد انتهجت الحكومات موقفا وسطا بين الرأسمالية والشيوعية، وقامت بخصخصة بعض القطاعات واحتفظت الحكومة بقطاعات أخرى لكي توائم ما بين الفرد والمجتمع، فلم تمنع الاستثمار الحر، لكنها لم تتخل عن الفقراء، لتجعل الرأسمالية المتوحشة تأكلهم.&
ضعفت الفلسفة المثالية، على الرغم من وجود طبقات أرستقراطية لا تزال ثرية ثراء فاحشا ومعتزة بعرقها وتتمسك بالمسيحية، فالسواد الأعظم من الفلاسفة والمفكرين، أصبحوا يؤمنون بعدم وجود قواعد ثابتة، وكان لعالم الفيزياء آينشتاين، وهو أيضا ألماني، أثر كبير في جعل النسبية فلسفة حياة، ثم طور فوكو ودريدا النسبية من زاوية اجتماعية، فلا وجود للثوابت، وكل شيء رهن لظروفه، ويدفع الإنسان في اتجاه معين، وإذا تغيرت الظروف ستتغير المفاهيم تبعا لها. لقد أصبح عصر ما بعد الحداثة منعكسا في تجليات الحياة من الاقتصاد إلى العلوم الاجتماعية إلى هندسة العمارة. وأصبح الاختلاف أهم من الانسجام، ويجب على الجميع تقبل الاختلاف، لأن الحياة والمجتمعات في حالة صيرورة مستمرة ومن الظلم أن تفرض عليها نظرة أحادية، بل من المستحيل أن يفرض عليها نظرة أحادية، فلا أحد يمتلك الحقيقة المطلقة بل ومن المستحيل امتلاك الحقيقة المطلقة، فلا الجدلية المثالية يمكنها أن تحدد مسارا معينا لهذه الحياة، ولا الجدلية المادية يمكنها أن تفرض ذاتها، وتجعل السلطة كاملة بيد الدولة. وفي ضوء عصر ما بعد الحداثة، فإن الأديان مسالة شخصية، يؤمن بها من تدفعه الظروف لذلك وينكرها من يجدها دافعا للعدوان والحروب، ولا يحق لأحد أن يحاسب أحدا على قناعاته العقائدية.
لم يعد الاقتصاد رأسمالي محض، ولا شيوعي محض، ولكنه يترك قسما من الاقتصاد للاستثمار الحر وقسما لرعاية الفقراء. ولم تعد الصناعة حرة بحيث تدمر البيئة، ولكنها مقيدة بعدم إيذاء الأجيال القادمة من خلال التلوث وتدمير البيئة. ولم يعد العمران ملتزما بتصاميم معينة ومواد معينة، بل متنوعا في كل شيء.&
خلاصة القول، إن المجتمع في حالة حركة مستمرة وإثبات ونفي، ونفي النفي ثم إثبات ومن ثم تظهر فكرة جديدة تنفي نفي النفي وقد تعود للفكرة الأولى، وهكذا فإن حالة الصيرورة لا تتوقف ولا تجمد. وحتى مفاهيم عصر ما بعد الحداثة سيأتي عليها يوم ليخبو بريقها وينفيها الناس ولا يقبلون بها.&
يبقى أن نقول أن المجتمع في حالة صيرورة دائمة، ولكن لا بد لهذه الحالة من محفز على التغيير، إذ لا يأتي التغيير ذاتيا، فإذا وجد مفكر أن قانونا معينا فيه ثغرات من شأنها أن تمزق نسيج المجتمع، فإنه يأتي بفكرة جديدة، وإذا عجزت نظرية عن تفسير إحدى الظواهر فإن هناك من يتصدى لها وينفيها، ويقدم لها بديلا، إلا أن عصر ما بعد الحداثة نفى كل شيء ولم يقدم له بديلا.&











التعليقات