قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

الكون المرئي باعتباره جسيم كوني أولي للكون المتعدد المطلق:

فال عالم الفيزياء وأحد أعمدة الميكانيك الكمومي أو الكوانتي نيلز بور Niels Bohr:" كل ما نصفه بأنه الواقع مكون من أشياء لايمكننا اعتبارها بأي حال من الأحوال واقعية".

بعد معارك ضارية في الوسط العلمي الفلكي والفيزيائي وبين منظري وعلماء الكونيات، بات ما يشبه اليقين أن النظرية الفائزة في سباق محموم هي نظرية الانفجار العظيم Big Bang لا سيما بعد أن أعلن العالم مارتن رايل Martin Ryle من جامعة كمبردج سنة 1955 أن الكون المرئي البدئي، في طفولته أو إبان ولادته، كان شديد الكثافة والسخونة بما لا يتطابق مع معطيات وخصائص نموذج الكون المستقر الثابت والساكن modèle de l’état stationnaire de l’univers. وفي سنة 1957 ظهر مقال مهم أثبت أن كل العناصر تقريباً يمكن أن تتكون داخل النجوم كآخر دفاع مستميت عن نظرية الكون الساكن والثابت أو المستقر لكن الرياح قد غيرت اتجاهها في سنوات الستينات للقرن العشرين وطغت أطروحة الانفجار العظيم عن الكون المتطور والمتوسع باستمرار خاصة بعد أن تم تعديل عمر الكون المرئي الافتراضي من 1-2 مليار سنة إلى 6-13 مليار سنة، مما دعم ذرائع أنصار نظرية الانفجار العظيم. وفي سنة 1964 توصل العالمان روبرت ديك Robert Dicke و جيمس بيبل James Peeble إلى استنتاج مفاده أن من المفترض أن يسبح الكون البدائي في محيط إشعاعي يمتلك خصائص الجسم الأسود المسخن. وكان هذا بمثابة أول دليل علمي تجريبي لصحة نظرية الانفجار العظيم.

تصف هذه النظرية كوننا المرئي بأنه كان مكبوساً أو مضغوطاً في دائرة شديدة الصغر قبل بدء الانفجار العظيم سميت بالفرادة la singularité، وهي كينونة كونية لامتناهية في شدة الحرارة والكثافة فيها، وبفعل تفاعلات وتقلبات كمومية أو كوانتية حصل الانفجار العظيم وانطلقت محتويات تلك الفرادة في زمكان لامتناهي أدى إلى ظهور كوننا المرئي الذي نعيش فيه وندرسه ونرصده اليوم، أي هو في حالة تمدد ويبرد كلما تمدد بعد أن كان كثيفا وساخناً إلى درجة تمنع الضوء من النفاذ منه والانتشار بحرية، وكانت هناك تفاعلات نووية بين مكونات مادته الأولية. ولقد نجح الضوء في أن يفلت بعد مرور 380000 سنة بعد حصول حدث الانفجار العظيم، وبقايا هذا الضوء هو ما يعرف اليوم بالخلفية الإشعاعية الميكروية الأحفورية المنتشرة للكون المرئي. بيد أن هذا الصرح العلمي ليس بمنأى عن التناقضات والمسائل اللغزية الغامضة التي لم تجد لها تفسيرا علمياً مقنعاً بعد. فلقد اتضح بما لا يقبل الشك أن الجزء الأكبر والأهم من كتلة الكون المرئي أو المنظور هي غير مرئية ومجهولة الماهية وأن هناك كمية مهولة من الطاقة الخفية أو المعتمة يعتقد أنها تقف وراء تمدد وتوسع الكون énergie noire ou sombre، بحيث أن نسبة المادة والطاقة المرئية المرصودة لا تمثل أكثر من 5% من مكونات الكون من المادة والطاقة، أي أن حوالي 95 % ما يزال متواري عن الأنظار ومجهول من قبل العلماء.

التحدي الثاني الذي واجه النظرية هو متوسط عدد الجسيمات الأولية المحسوبة في الكون المرئي، التي قدرت بــ 1088 في حين تعطي الحسابات العملية عدداً أقل بكثير من هذا التقدير.

اجتمع عدد من علماء الفيزياء النظرية وعلم الكونيات وعلماء الفيزياء الفلكية لينشروا رسالة مفتوحة في إحدى المجلات العلمية الرصينة الواسعة الانتشار للاحتجاج على هيمنة واحتكار نظرية الانفجار العظيم في عالم البحث الكوسمولوجي. وأعلن هؤلاء في رسالتهم أن هذه النظرية ليست كاملة وغير قابلة للدحض وليس من القبول رفض وتجاهل أي بحث أو دراسة لموديل أو نموذج منافس لها وتتبناه الدوائر العلمية والجامعات ومراكز البحوث. ثم قاموا بالكشف عن عدد من نقاط القصور في هذه النظرية وأبدوا استغرابهم من احتكار هذه النظرية لأغلب إن لم نقل لجميع علماء الكونيات وإن من العبث واللاعلمية أن تغدو هي وحدها الإطار الوحيد المسموح به للبحث في هذا الميدان، وطالبوا بتخصيص ميزانيات لتجارب بحثية ورصدية جادة قد تثبت وقد تدحض صحة هذه النظرية، فهي ليس بالضرورة ممثلة للواقع المادي الذي نعيش فيه، وهي أصغر من أن تستوعب الكون المرئي الهائل بتعقيداته وغموضه وأسراره وألغازه. إنها بنظرهم ليست أكثر من نظرية تأملية وإطار لدراسة سلوكيات المادة وتفاعلات مكوناتها في الطاقات القصوى.

إن البحث عن وحدة الفيزياء والقوانين الفيزيائية يستند إلى فكرة وجود مبدأ أو قوة ينجم عنه أو عنها كل قوانين القوى الجوهرية المعروفة ولكن مالذي يضمن وجود هذا المبدأ أو هذه القوة؟ بعض العلماء لجأ للميتافيزيقيا الميثولوجية أو اللاهوتية الإلهية للبحث عن هذا المبدأ أو تلك القوة الخفية التي تنبثق عنها كافة قوانين الطبيعة، والبعض الآخر رفض ذلك بقوة واعتبره نزوع غير علمي. وفي سنوات السبعينات من القرن المنصرم، بدأ بعض العلماء على نحو حثيث العمل على إيجاد النظرية الواحدة والشاملة والموحدة لكافة النظريات تحت تسمية GUT، والهدف منها هو توحيد التفاعلات النووية القوية أو الشديدة مع التفاعلات النووية الضعيفة ولو على الصعيد النظري فحسب، لأن المهمة بدت صعبة المنال آنذاك. والوضع كان أكثر تعقيداً وصعوبة فيما يتعلق بتوحيد القوتين الأخريين وهما الكهرومغناطيسية والجاذبية أو الثقالة. وأصعب مرحلة هي توحيد الثقالة أو الجاذبية بالقوى الجوهرية الثلاثة السالفة الذكر. كانت الجاذبية أو الثقالة توصف في ذلك الوقت بأنها من خصائص الزمكان في حين أن القوى الثلاثة الجوهرية الأخرى كانت تحدث داخل الزمكان، فكيف يمكن توحيد تفاعل هو من الخصائص الجيومترية أو الهندسية للزمكان مع تفاعلات تحدث داخل هذا الزمكان، أي داخل بنية هندسية؟ ومن المعروف أن الجاذبية أو الثقالة هي قوة أضعف بكثير من القوى الثلاثة الأخرى وبالتالي، للقيام بعملية التوحيد للقوى الجوهرية الأربعة، يتوجب تأمين طاقة هائلة غير محدودة والحال أنه لاتوجد في الكون المرئي، كما كان معروفاً آنذاك، طاقة معروفة بهذه القوة وهذا المستوى اللامتناهي. فقط في البدايات الأولى لولادة الكون المرئي حيث افترض العلماء وجود مثل هذه الصيرورة ذات الطاقة اللامتناهية وهذا ما جعل علماء فيزياء الجسيمات يلتفتون لفرضية الانفجار العظيم ويحيطونها بالعناية. ولكن كان لا بد من إيجاد وسيلة للربط بين علم الكونيات الكوسمولوجيا، أي النسبية الآينشتينية، وفيزياء الجسيمات، أي الميكانيك الكمومي أو الكوانتي. وكان آخر ما اقترحه العلماء اليوم، كمخرج لمعضلة التوحيد العلمي بين القوى الجوهرية، هو نظرية التضخم الأصلي المفاجيء والدائم. كانت هذه الفرضية قد طرحت في سنوات الثمانينات لحل ثلاث معضلات فيزيائية وهي: غياب الهيمنة المغناطيسية وتناسق الكون وانبساطه. وكانت هذه الألغاز الثلاثة بمثابة العقبة التي يجب عبورها لإثبات صحة الانفجار العظيم والمضي قدماً حيث جاءت فرضية التضخم لتقدم الحلول اللازمة لذلك. لقد كانت بمثابة السبق العلمي بهذا الصدد، وقد تحقق ذلك على يد العلماء السوفييت في سبعينات القرن الماضي لكن أبحاثهم لم تحدث تأثيرا كبيراً في الغرب بسبب الستار الحديدي والقطيعة بين الشرق والغرب والحرب الباردة. وفي سنة 1981 تخيل العالم آلات غوث Alan Guth، أن الكون في بداياته، حتى قبل تشكل النوى الأولى للذرات فيه، قد شهد مرحلة توسع أسًي مضاعف سماه التضخم المفاجيء حدث خلال جزء ضئيل من الثانية، وبعد ذلك استعاد الكون معدل توسعه الاعتيادي الذي يشبه ما نلاحظه اليوم. وكان ذلك نتيجة لتطور مجال أو حقل تضخمي سمي أنفلاتون inflaton، بقي أن نعرف على وجه الدقة والتحديد ماهي طبيعة وماهية هذا الحقل أو المجال التضخمي وكيف يتطور، وهل هو موجود حقاً في الطبيعة؟ المهم أن قسماً كبيراً من العلماء تبنى هذه الفرضية واعتبرها تستحق موقعها بين النماذج الكونية المعيارية المعروفة للانفجار العظيم بكل تنويعاته.

بقيت هناك معضلة القياسات والحسابات الكونية والثوابت الكونية التي أفرزتها النظريات الكونية والتي كشفت عن أن ما نعرفه ونقيسه اليوم في الكون المرئي قليل جداً وإن 95% من مكوناته مجهول لدينا. وأبرز ماهو مجهول أو خفي لدينا هو المادة السوداء وهي المادة التي لا نستطيع رؤيتها أو رصدها ولا نعرف ماهيتها لكننا نعرف أنها موجودة. بدأت قصة هذه المادة مع العالم الفلكي هان أوورتHan Oort سنة 1932 أثناء دراسته لديناميكية النجوم الواقعة فوق المستوى المجري وافترض وجود 50% من الكتلة الإضافية في قرص المجرة أكثر مما نستنتجه من كتلة من خلال الضوء القادم إلينا من نجومها المرصودة، عند ذلك استخدم هذا العالم للمرة الأولى تعبير المادة السوداء بشأن تلك الكتلة المفقودة أو المجهولة. وبعد أكثر من ربع قرن ركز العلماء على مشكلة الكتلة المفقودة أو المجهولة وغير المرئية في الكون المرئي واعتقدوا أنها موزعة على نحو دائري ومنتشرة حول المجرات ولو عممنا ذلك على باقي المجرات في الكون المرئي فهذا سيعني أنها تشكل حوالي 90% من الكتلة الكلية للكون المرئي. وفي سنوات الثمانينات استقبلت فرضية المادة غير الباريونية non baryonique بحماس من قبل الفيزيائيين الباحثين في مجال الطاقات القصوى hautes énergies. وطوروا نظريات تفترض وجود جسيمات جديدة غير معروفة، والجميع يعرف أن كل الجسيمات المعلومة لدينا اليوم تم افتراض وجودها قبل اكتشافها فعلياً. إن الاعتقاد بمثل هذه المسلمة يعني قبول مسلمة تقول أن الجزء الأعظم من مادة الكون أي حوالي 90% هو من مادة غير المادة المألوفة المرئية التي نعرفها والتي يتكون منها كل ما نعرفه من غازات وكوازارات وسدم ومجرات ونجوم وكواكب حتى اصغر كوارك استطعنا اكتشافه لحد الآن. وعندما تمعن العلماء في موضوع التوسع الكوني لاحظوا أن هناك حالة تسارع في التوسع والتمدد لا يعرفون مصدرها، من هنا ظهر اللغز الآخر الذي واجه علماء الكونيات والفيزياء النظرية الذي سماه البعض بالطاقة المعتمة أو الداكنة أو السوداء، التي افترضوا أنها هي السر وراء هذا التسارع في التوسع الكوني الذي يحدث منذ حوالي 5 مليار سنة. وبعد أن توقع علماء نظرية الانفجار العظيم أن التوسع سيتباطأ مع مرور الزمن ظهر بالملاحظة والمشاهدة عكس ذلك وكان لابد لهم من إيجاد مخرج مثلما فعل آينشتين قبل عقود عندما أضاف مفهوم الثابت الكوني لمعادلاته لكي يضفي صفة الثبات والسكون على نموذجه الكوني، وكان أن أضافوا مفهوم الطاقة المعتمة أو الداكنة أو السوداء لمعادلاتهم لتحل محل الثابت الكوني الآينشتيني وتفسير حالة التسارع في التوسع الكوني. وهذا يعني في نفس الوقت أن القوة المهيمنة في التطور الكوني ليست الثقالة أو الجاذبية بل شيء آخر ولكن ماهو هذا الشيء؟ لا أحد يعرف وقالوا إنه طاقة مجهولة الهوية والماهية تملأ الكون والمساحات بين المجرات وداخلها أي تملأ الفضاء برمته. وكان العالم ميكائيل تيورنر Michael Turner هو الذي سماها الطاقة السوداء أو الداكنة أو المعتمة سنة 1999. وسواء كانت طاقة غير معروفة أو هي خاصية هندسية معادلة لطاقة ما، فمن الممكن تقدير كثافتها، ويقدر العلماء اليوم أن هذه الطاقة مسؤولة عن 69% من محتويات الطاقة في الكون المرئي في حين لاتتعدى نسبة المادة المرئية المعروفة والمألوفة التي يتكون منها كل شيء مادي في الكون المرئي 5% من مجموع المكون الطاقوي للكون المرئي لذلك فهي بنظر العلماء التفسير الوحيد المقبول وراء تسارع التمدد أو التوسع الكوني.

باريس

[email protected]