قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

أزعم ان مرشحا لرئاسة حزب بريطاني لم يتلق حجم الهجوم الذي تعرض له جيريمي كوربين خلال الأسابيع الستة الماضية، ولم ينل من سوء التأويل مثل ما نال هو ، قبل بدء التصويت الحزبي مقارنة بالمرشحين الأخرين.

نقول ذلك ، لأن ترشحه لزعامة حزب العمال أوائل اغسطس الماضي قوبل بعاصفة من الإستهجان داخل الحزب وإعترض من جانب كبار قادته.. وحذر من عواقبها إثنين من رؤساء الوزارة البريطانية السابقين توني بلير وجوردن براون.. وشنت عليه وسائل الإعلام البريطانية حملة متعددة المستويات بغرض التنفير من افكاره اليسارية وما ستؤل إليه أحوال البلاد خاصة الإقنصادية إذا ما تولي رئلسة الوزارة البريطانية في مرحلة تالية.

حزب العمال يعتبر وفق المقاييس الحزبية الديموقراطية ومنهج السياسات البرلمانية ثاني أكبر حزب بريطاني ، لذلك انشغلت الأوساط السياسية والإعلامية بمن سيتولي رئاسته بعد إستقالة إدوارد ميليباند علي أثر هزيمة الحزب علي مستوي انتخابات مجلس العموم الأخيرة في شهر مايو الماضي.. وزاد إهتمامها وتصاعد بقوة فولر بدء الترشح ودخل منه أندرو بيرهام و إيفيت كوبر اللذين توليا مناصب وزراية في حكومتي توني بلير و جوردن براوان بالإضافة إلي ليزكيندال.. ثم توهج تتبعها للمعركة بعد أن أقنع عدد من نواب الحزب زميلهم البرلماني المخضرم جيريمي كوربين بالترشح قبل ساعات من إغلاق الباب..&

رئيس حزب العمال المنتخب يبلغ من العمر 66 عام قضي نصفها تقريبا نائبا عن دائرة " إسلينجتون الشمالية " حيث فتحت سياسيات رئيسة الوزراء مارجريت تاتشر الباب امامه وغيره من اليساريين أفراد الطبقة المتوسطة لكي يتملكوا عقارات وأسهم وسندات ويقوموا بنشاط نقابي متميز، ومن ثم الترشح لعضوية مجلس العموم.. لم يتول أي منصب وزاري طوال هذه الفترة بسبب أفكاره التى اعتبرها البعض متطرفة وتتنافي من ناحية مع توجهات الحزب ومن ناحية أخري مع مصلحة البلاد العليا وسياساتها الخارجية خاصة علي مستوي علاقتها الوثيقة بواشنطن.

نجح صاحبنا منذ تلك السنة في تبني مطالب النقابات والدفاع عن العدالة الاجتماعية ، وتصدي لسياسات حكومتي المحافظين السابقة والحالية فيما يتعلق بتقليص حجم الإستثمار في مجال الخدمات وناهض سياساتها التقشفية وعارض بصوت عالي ممارسات السياسة الخارجية البريطانية خاصة في الشرق الاوسط.. وكان له سابقة التصويت ضد مشاركتها ضمن التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الذي غزا العراق عام 2003.. ويعد من الأصوات القليلة الرافضة لمواصلة استنزاف ميزانية الدولة لتطوير برنامجها النووي!

يمكن القول: بالرغم من الهجوم السياسي والاعلامي ودعايات النخب السياسية الحزبية الرافضة لأفكاره والمحذرة من سلبيات اختياره ، فاز الرجل وجاء فوزه مشرفا بنسبة 59,50 % من مجموع المقترعين ( أي ما يعادل 25147 صوت ) وحصل آندي برونهام التالي له علي 19 % بالرغم من دعاية فريقة التي ركزت علي خبرته الطويلة في العمل الحكومي وزيرا للمالية ثم للثقافة وأخيراً للصحة ، ونسوا انه خسر معركة الفوز برئاسة الحزب امام إدوارد ميليباند عام 2010.. أما إيفيت كوبر فحصلت علي 17 % فقط برغم من خبرتها السابقة كوزير للمالية والداخلية ، ولم تحظ ليزكيندال التي تولت من قبل منصب وزيرة الرعاية الصحية وكبار السن إلا بـ 4,5 % من الأصوات علي عكس كافة التوقعات التى كانت تتنبأ بفوزها باعتبارها إمتداد لسياسات أستاذها توني بلير.

الجدير بالتنويه هنا أن الرجل لم يضع برنامجاً إنتخابياً يختلف عن أفكاره ورؤيته منذ إحتل مقعده بمجلس العموم قبل 32 عام ، لم يتلون ولم يسعي إلي دغدغة مشاعر ال 600 الف ناخب حزبي ولم يَعد بما لا يؤمن به ، بل إلتزم بقناعاته كما هي مرتكزاً علي أن العدالة الإجتماعية تتطلب توفير جانب من النفقات العامة لكي تُستخدم في مجال الإستثمارات الحكومية خاصة علي مستوي الخدمات التي يحتاجها المواطن.

تحت شعار حملته " إنه إختيارك.. أن تُشكل المستقبل / Your CHOICE.. SHAPE THE FUTURE " أكد جيريمي رفضه لسياسات التدخل التي تنهجها الحكومة البريطانية في شئون الآخرين خاصة في الشرق الأوسط وأعلن تأييده لأي مبادرات سلمية لوقف مسلسل الحروب المندلعة حالياً هناك !! وعبر عن حرصه علي التواصل مع كل من منطمة حماس في غزة وحزب الله في لبنان ، للتعرف علي ما يمكن أن يساهمان به في عملية السلام وفي الشأن الداخلي علي تمسكه برفض سياسية التقشف وإستبدالها بمنظومة ضرائبية متصاعدة علي الشركات ومراكز الانتاج والرأسمالية المتنامية مع وضع سقف للأجور شديدة الإرتفاع بالإضافة إلي إمكانية دراسة القيام بتأميم بعض الصناعات والخدمات الانتاجية.&

لم تعكس صحف الأحد 13 سبتمبر أبعاد هذه المفاجأة.. ولم تتعرض لكيفية فوز من كان يصفونه بالأمس " بالمرشح الهامشي " بهذه النسبة العالية من المؤيدين.. ولم يعلق أحد علي تعهده ضمن كلمته القصيرة التي دشن بها فوزه " أن يناضل من أجل تعزيز أن تكون بريطانيا أكثر تسامحاً وأكثر تقبلاً للتنوع الثقافي ، وأن يسعي لمعالجة الفوارق الإجتماعية الفاضحة بشكل قانوني وحاسم ".

علي الجانب الأخر&تنبأ بعض المحللين بان يُبقي إنتخابه حزب العمال فترة أطول في كراسي المعارضة لأنه " قضي تماماً علي مبادئ الحزب التي أقامها توني بلير علي الوسطية.. وتوقع البعض الثاني أن تتزايد شقة الخلافات علي مستوي قواعد الحزب ونخبه التى أعلن عدد من أعلامها إستقالتهم من حكومة الظل.. وراهن بعضها الثالث علي إتساع موجة الجناح المتمرد داخل الحزب ضد الأفكار الحزبية التى جعلته يتراجع عن فلسفته الإشتراكية ويتبني سياسات وسطية ثارت عليها غالبية شعوب أوربا.

من المؤكد أن وسائل الإعلام ستمتلئ خلال الأيام القادمة ولفترة طويلة بالتحليلات الأكثر عمقاً والأوسع رؤية حول زعيم حزب العمال الجديد وحظه من الإستمرار في موقعه ، وكذا مؤشرات الانقلاب عليه في اقرب فرصة ممكنة.. وستكون البداية ذات شقين.

الأول.. علاقته بالحكومة ورئيسها ومدي تجاوبه في كل ما يتعلق بمصلحة الدولة داخلياً وخارجياً خاصة بعد أن علق ديفيد كاميرون علي فورزه قائلا أن إنتخابه " يٌشكل خطراً علي الأمن والإقتصاد في البلاد ".. لأن الجميع يتوقع أن يقف زعيم المعارضة الجديد بالمرصاد لسياساته خاصة فيما يتعلق بملف سوريا وكل ما يتعلق بمشكلة لآجئيها.. وايضا لفكرة اجراء استفتاء شعبي حول احتفاظ المملكة المتحدة بعضويتها في الإتحاد الأوربي منتصف عام 2017.

الثاني.. علاقته بالأحزاب السياسية في الخارج خاصة الأوربية وكذا بالحزبين الأمريكيين الجمهوري والديموقراطي ، علي المستوي الاول سيجد الرجل تجاوبا واسعا من احزاب اليسار المتواجده في الحكم كاليونان والبرتغال وغيرهما.. ويسجد تعضيد من جانب البرلمان الأوربي حيث الاغلبية لليسارييين والاشتراكيين الجدد.

لكن علينا أن نأخذ في الإعتبار القاعدة السياسية المعروفة التى تقول أن أفعال الجالس فوق كرسي المسئولية تختلف في معظم الاحيان عن اقواله قبل الفوز به !! لأن السياسات العليا لحكومة المملكة المتجدة لا بد أن تتواصل تحت شعار التقريب بين وجهات نظر الحكومة والمعارضة.. وفي معظم الحالات التى تتعارض فيها توجهات كل طرف خاصة حيال الملفات ذات الحساسية الخاصة ، لا بد من نقطة التقاء بين الحكومة والمعاضة ، وستكشف لنا الأيام القادمة مصداقية هذه القاعدة ،،

إستشاري اعالامي مقيم في بريطانيا.

[email protected]&

&

&