أفرزت سنوات العنف الطائفي في العراق وعمليات التهجير الممنهجة القائم على اساس الهوية والعرق, افرزت مناطق مُشَكلة مذهبياً بلون واحد. ولعل من ابرز دلالات الفصل الطائفي مناطقياً هو الصراع المستمر للسيطرة على مركز القرار في بغداد وديالى وحسم الموضوع مذهبيا في البصرة ومناطق شمال بابل .
وينذر الصراع على هوية وديالى بمؤشرات عنف واضحة لاسيما مع تمسك طرفي الصراع (السُنّة والشيعة) بمحاولة انتزاع هوية المحافظة من الطرف المقابل . ونظرا لما تتمتع به هذه المحافظة من عمق استراتيجي مهم،فان كل المؤشرات تؤكد وجود مخطط ايراني لتطهيرها من السنة، وتحويلها الى خط دفاع لطهران، وطريق يؤدي الى سورية، من دون المرور بمدينة الرمادي.
ويعتقد بعض قادة الاحزاب الدينية الشيعية ان موقع محافظة ديالى يفرض عليها ان تكون شيعية باعتبارها تحاذي ايران برغم ان اغلب سكانها سُـنّة، لكنهم بنظر هؤلاء القادة عسكريون في الجيش السابق وجميعهم (بعثية) على حد وصفهم.&
من هنا، فان اهمية ديالى بالنسبة لايران ليست وليدة الايام القليلة الماضية، وانما اضحت هدفاً ستراتيجياً، بعد قرار منع الحشد الشيعي من المشاركة في عمليات تحرير الانبار، وبالتالي فقد اريد لاحداث المقدادية ان تؤجج فتنة طائفية، لاجبار النازحين الذين عادوا الى بيوتهم في المقدادية، بجهود سليم الجبوري والقوى السنية، ولو عاد ضرر هذه الخطوة على حليف ايران القوي هادي العامري زعيم منظمة بدر الذي يتولى الملف الأمني في ديالى.
ويعتقد كثيرون أن لدى مخطط إيران لتحويل ديالى الى خط دفاعي مهم لأمنها القومي، ما يتطلب ربط سورية بايران بطريق بري آمن، فكان الجزء الاول من الطريق الذي يُطلق عليه تسمية (يا مهدي) وهو يربط بين قرية جديدة الشط التابعة لقضاء الخالص في ديالى، ومدينة سامراء في محافظة صلاح الدين، اذ يبدأ الطريق من معسكر أشرف ضمن حدود الخالص وصولا إلى معبر النعمان على الحدود الفاصلة مع صلاح الدين، بطول نحو 20 كيلومتراً، بينما يبلغ طول الطريق داخل محافظة صلاح الدين، حتى مدينة سامراء 14 كيلومتراً.
اما الجزء الثاني يبدأ من سامراء ثم ينحرف باتجاه ذراع دجلة لبحيرة الثرثار، ليسلك طريقاً صحراوياً نحو الحدود السورية والاردنية، من دون المرور بالطريق الدولي الرابط بين الرمادي والحدود السورية والاردنية. ويكتسب هذا الطريق أهمية إستراتيجية من الجانب الأمني حيث تؤمن تنقل الأرتال العسكرية من ديالى باتجاه سامراء والمناطق القريبة منها وصولاً الى سورية، وهو يمر بمناطق منبسطة تسيطر عليها القوات الأمنية المشتركة والحشد الشعبي، ما يعني خلوها من العبوات الناسفة أو الهجمات المسلحة.
ولم تكن مبادرة نواب محافظة ديالى (السُنّة)، للدعوة الى تشکيل لجنة تحقيق برلمانية للوقوف على طبيعة الاوضاع في المناطق المحررة من سيطرة تنظيم الدولة الاسلامية (داعش)، من فراغ او من أجل مناورة سياسية، بل هي جاءت لتعبر بوضوح عن مايمکن وصفه بجرائم إنتقام ذات طابع طائفي محض.
وتبقى ديالى معضلة حقيقية للعرب السُنّة. أما لماذا تستهدف ديالى، وللاجابة على هذا السؤال علينا العودة الى نتائج الحرب العراقية الايرانية (1980- 1988). وعندما نستذكر حرب الثماني سنوات وما شهدته هذه المحافظة القريبة من بغداد والتي تعد بكل مقاييس خبراء الجغرافية السياسية والعسكرية الخاصرة الرخوة التي لا تمنح العراق عمقا إستراتيجيا في علاقاته مع إيران، هو ما يدفع إيران، نظاماً أو من خلال اذرعها السياسية والعسكرية في العراق، إلى البحث عن مداخل وأدوات تسهل لها طرق الهيمنة على العراق عبر هذه البوابة الأكثر أهمية على حدود البلدين، والتي تدخل من خلالها معظم صادرات إيران للعراق كما تدخل منها القوافل الإيرانية لزيارة المراقد في بغداد وكربلاء والنجف.&
وبالارقام، فإن عشيرة الجبور، التي ينتمي اليها رئيس البرلمان سليم الجبوري، في المنصورية وحمرين تعرضت اكثر من 3500 عائلة فيها للتهجير من مناطقها وقراها. وتبدو ملامح المخطط واضحة في مناطق شرقي محافظة ديالى وتتمثل في ابعاد الكتل البشرية السُنيّة عن الحدود الايرانية وتفريغ المنطقة من سكانها الاصليين.&
وتعد محافظة ديالى الخاصرة الشرقية الحساسة للعراق، وتُمثّل مثلثاً جغرافياً بين إقليم كردستان العراق وبغداد وإيران، وتقطنها ثلاث قوميات هي العربية والكردية والتركمانية، والطوائف السنية والشيعية والمسيحية. ويُمثّل العرب السنة فيها نحو 65 في المائة، يتركزون في بعقوبة، عاصمة المحافظة، والمدن الشمالية والشمالية الشرقية. فيما يتركّز الأكراد والتركمان في أمرلي وبلد روز وخانقين وقزانية، ويتواجد الشيعة في بلدات خرنابات والهويدر وكنعان والخالص وخان بني سعد، واتسعت رقعة تواجدهم أخيراً لتشمل بعقوبة وأبو صيدا وسنسل.
وتتميز المحافظة بشكل عام بطابع مديني أكثر من كونه عشائرياً، على الرغم من وجود قبائل عربية عريقة فيها، مثل شمر وعنزة والجبور والدليم والعبيد وطي وتميم والقيسيين والقراغول، على خلاف المحافظات المجاورة لها. وتُعتبر ديالى المحافظة الأكثر تماساً مع بغداد بنحو 55 كيلومتراً. وابتدأت اول عمليات التغيير الديموغرافي في المدينة، عندما قام المالكي بتوزيع قطع أراضٍ لمواطنين وموظفين من سكان جنوب العراق في ديالى، بصورة مخالفة للقانون، بينما سمح لإيران بافتتاح ثلاثة مكاتب ثقافية داخل المحافظة، لتتفوق على النجف وكربلاء والبصرة، والتي تحوي كل واحدة منها مكتباً واحداً يمارس أنشطة مختلفة غالبيتها دينية.
&
كاتبة عراقية
&