كتبت في مقالة سابقة عن إبتلاء أمة العرب بكتاب ومثقفين ووعاظ دين يُسخِّرون الكلمة لخدمة من يدفع أكثر أو من يبدو لهم متسيدا الساحة الإعلامية لخدمة هدف سياسي وربما لمصلحة قوى هيمنة خارجية.&
وهؤلاء السماسرة كما أسميهم لامبادئ لهم ولا أخلاق أو قيم.. يستلُّون أقلامهم من جيوب كفلاءهم ليكتبوا ما يرضي مصلحة الكفيل أو نزعته أو حتى شهوته، ويملكون قدرة وموهبة التلون بحيث يستطيعون التنقل في فترة وجيزة بين حضن وآخر كبائعات الهوى دون أن يشعروا بالخجل أو العار، ولديهم القدرة أيضا أن يقنعوا البلهاء والسذج أنهم في كلا الحضنين على حق ويسيرون في طريق الكرامة والشرف.
وعبرت كغيري من الذين استهلكوا التعبير عن نظرية المؤامرة التي يعاني منها العربي.. عن المؤمرة ذاتها، تلك التي نرمي عليها اسقاطات سقوطنا وتخلفنا وخزينا كعرب كلما شعرنا بالهزيمة والتخلف بين أمم الكوكب الذي يحتوينا معا وينبذنا كأقوام خارجة عن قوانين ذالك الكون ونواميسه وحضاراته منذ أن وصفنا شاعرنا العظيم المتنبي بأننا مضحكة الأمم قبل ألف سنة الى أن وصفنا شاعرنا العظيم الآخر نزار قباني في عصرنا الحالي، بأننا مجرد قصابين ونعاج وأمة تبول على نفسها كالماشية.
لكن قارئا مثقفا يتابع ما أكتبه هنا في إيلاف.. باستمرار.. يتساءل عن سر تشبث العقل العربي بنظرية المؤامرة وطلب مني أن أكتب في المرة القادمة عن تلك المصيبة التي يلجأ اليها العربي كلما شعر بالعجز والقصور والهزيمة الحضارية.
وبرغم أنني لست عرافا كي أخمن سبب تلك الحالة التي لاتشكوا منها أمة كأمة العرب، إلا أنني أعتقد بما أملكه من معرفة لفهم السكيلوجية النفسية للجماهير أو الشعوب أو للعقل الجمعي بشكل عام في واقع ما، أن الهروب للأمام كما يقولون خوفا من مواجهة الحقيقة ليس إلا دليلا على إعتراف الانسان كفرد أو كجماعة بالفشل أو الهزيمة في ميدان ما.. من ميادين الحياة، فما بالك بأمة تفشل وتنهزم في كل الميادين كدليل على سقوط أخلاقي وقيمي يتكرر لهذه الأمة ويقودها الى السقوط الحضاري منذ قرون طويلة.
قد يقول البعض : أن هذا جلد للذات العربية المجلودة أصلا.. وأعترف أنني أمارس الجلد وأرى أنه لايكفي.. وأن كي الذات هو مايجب أن نفعله،إذا كان لايزال هناك بعض من الأمل كآخر العلاج كما تقول العرب.. لأمة تحتضر.&
أو مثلما يقول الشاعر العربي :
أعلل النفس بالآمال أرقبها.. ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل!
&
لقد أصبحنا جميعا مازوشيين نتلذذ في الجلد.. لكن بعضنا ماسوشي بالفطرة أو بالوراثة أو الإدمان.. أو لخلل جيني. ويرفض أن يتنازل عن مازوشيته التي رضعها أبا عن جد ومستعد أن يجاهد من أجلها في ساحات الجهاد المازوشي. وبعضنا مازوشي بالتعود.. والمجالسة، لكنه غير راض بالأمر ومستعد أن يقلع عن عادته حالة أن يجد ماهو أحسن منها!
يقول المفكر العربي مالك بن نبي: لو لم يكن عند أمة قابلية للإستعمار..لما استعمرها أحد. وأضيف دائما مستعينا بقول بن نبي : أنه لو لم يكن عند أمة قابلية للإستعباد والإستحمار لما استعبدها ولا استحمرها أحد!
&وهل هناك أخطر استعمارا وأسوأ استحمارا أكثر من أن يَستعمرُ عقل الإنسان كاتب مأجور أو واعظ يتاجر بالدين أو مثقف يستل قلمه من جيب غير جيبه؟!
ولكي أجيب على تساؤل الأخ الكريم عن السبب وراء إعتقاد العربي في نظرية المؤامرة وتشبثه بها: أقول له بكل صراحة أن السبب يكمن في هذا الوعي الجمعي ليس في كليته بالطبع وإنما في أغلبيته، لأننا لو آمنا في كليته لما تساءل مستنكرا وكتبت من وحي سؤاله جوابا قد لايكون شاملا أو مقنعا نظرا لتنوع الأسباب وتشعبها.. وغيرنا كثيرون ممن يملك نفس الأسئلة والإجابات وسط وعي جمعي يحركه اللاوعي المتخم بالخوف والخرافة وعشق السير مع القطيع دون تفكر أو تدبر!
لو لم يكن هذا الوعي الجمعي ساحة مفتوحة يلعب فيها سماسرة الحروب وتجار الدين وخونة الأمة حتى فقد الإنسان العربي الثقة في نفسه وقدرته على التغيير والتفوق والمنافسة الحضارية الشريفة: لما لجأ الى نظرية المؤامرة كي يسقط فشله وهزيمته عليها بدلا من اكتشاف الحقيقة بفحص النفس الموبوءة بالجهل والخنوع قبل الإرتماء في أحضان المؤامرة وسماسرتها بمختلف مهنهم المتعددة!
وقد يتساءل متسائل آخر : ولماذ يقع هذا الإنسان العربي منذ قرون فريسة للإستبداد ليكون دائما ضحية التخلف وعدم القدرة على التطور ككل شعوب الدنيا؟!
ولأنني لست بعالم نفس كفرويد مثلا كي أستخدم وسائل التحليل الاكلينيكي المؤدي الى سبر أغوار نفس تشوهت حتى أدمنت الخنوع لكل متآمر وجاهل وسمسار وعجزت عن الخروج من ظلمتها الى عالم النور الحقيقي، لكنني أستطيع بما أعرفه عن سيكلوجية النفس &المازوشية أن أدرك شيئا من أسباب ذلك المرض المتجذر عبر القرون في عقل ونفس الانسان العربي.. تتناقله الأجيال بواسطة ثقافة تم ترسيخها في الذهن المتلقي بدون إعتراض أو أسئلة وهو ذهن تمت برمجته بسهولة لأنه قابل للبرمجة الموحية بالتراخي والكسل وتصديق الخرافة.
لكن إنسانا آخر قد يتساءل أيضا: ولماذا هذا الوعي الجمعي العربي خلافا لكل الأمم التي مرت بنفس الظروف، لم يتمكن من الإنتصار لعقله وتجاوز ظروف ضعفه كي يصنع لأجياله مثلما صنعته الأمم الأخرى لأجيالها حين تفوقت على ظروفها واستبدادها وتخلفها ؟!
فأعود لأتذكر أن تلك الأمم التي بنت قوتها من ضعفها.. وأضاءت دروبها وسط ظلمتها، وأنجزت حضاراتها وتفوقها.. وصنعت حريتها، لم تكن كذلك لولا أنها اختارت العقول المستنيرة لتقودها بدلا من تجار الدين وسماسرة الحروب وأعداء العقل الحر المفكر!
لذلك لم تنتصر الثورة الفرنسية إلا بعد أن آمنت في فكر منظرها العظيم فولتير الذي قال : إشنقوا آخر قسيس بأمعاء آخر اقطاعي... وبعد أن تشربت فكر التنويريين كانط وديكارت وروسو وسبينوزا ونيتشه وقاليليو وغيرهم من عمالقة التنوير الغربي... وبعد أن كفروا بكل من يتاجر بالدين وبكل اقطاعي يبيعهم في أسواق شهواته ونوازعه.
عكس ثورات ربيع العرب التي ثارت ضد الإقطاعي لتجلب مكانه تاجر الدين كدليل على نقص في الوعي الجمعي عند هذه الشعوب التي تثور دائما لتقصي طاغية كي يحل محلة طاغية أكثر تمكنا من الاستبداد بهم، وكأن هذه الأمة حقا تعاني من مرض ماسوشية عشق الاستبداد، وعندما تثور فإنها لاتثور عشقا في الحرية بقدر ماتثور عشقا في مستبد يملك وسائل أكثر سادية وأحدث في سيطرتها من وسائل المستبد الأول التي أصبحت بفعل الزمن متخلفة وغير صالحة للإستبداد الحديث ولا تروي عطش &المازوشيين للإستبداد الأكثر إيلاما!
بل أن العالم شهد بأم عينه كيف تحول ملعب القاهرة لكرة القدم في عهد رئيسهم الذي اتتخبوه بعد الثورة : مسرحا لتجار الدين ووعاظه ينادون رئيسهم المنتخب كي يعلن الجهاد ضد شعوبهم لتتضح حقيقة المُستَبَدِّ بهم حين لايثورون إلا عشقا في قتل بعضهم البعض أو لكي يعودوا الى أحضان مستبد آخر كي يبطش بهم.. وذلك أقل ما يستحقون!
وتحولت القنوات الفضائية والمنابر وحتى المنبر العظيم للجامع الأزهر الى منابر للكراهية والإقصاء تدعو الى مزيد من الإستبداد والقمع ، فرأينا لأول مرة كيف يُسحل الإنسان المختلف في فكره ورأيه و عقيدته، ليرسم أولئك القتلة الذين صعدوا المنابر ملامح الثورات الجديدة المبشرة بسحق الإنسان وسلبه ماتبقى من حريته وكرامته!
هذا هو الفرق بين سيكلوجية الثائر الغربي... والثائر العربي : أن الثائر الغربي ذهب لمحاسبة الطغاة وتجار الفضيلة وسماسرة قمع الشعوب عندما بزغت شمس الثورة الفرنسية.. كمثال، اما الثائر العربي فقد ذهب الى منابره وميادينه ليصنع طغاته الجدد داعيا إياهم لقتل الإنسان البريء وخلق حياة استبداد جديدة تُسحق فيها العدالة التي حلم بها العربي الموؤد حلمه. وقد تجاوب ذلك الحاكم المنتخب مع رغبة الوعي الجمعي للذين انتخبوه وبدأ يتعاطف مع رغباتهم حتى تحول بقدرة رغباتهم الى مشروع طاغية جديد عطل شروط الثورة وقوانين الديموقراطية كدليل على أن الحاكم صورة للشعب الذي ينتمي اليه وليس العكس.
بل أن العجيب والغريب والمدهش : أن المثقف التنويري العربي الذي كنا نعتقد أنه عون للحرية وداعية لصون كرامة الإنسان، تحول فجأة الى سادي وماسوشي في نفس الوقت.. ينادي سيده الجديد أن يفتك بالآخر في الوقت الذي ينبطح فيه ذلك التنويري المزيف للمستبد كي يسير على جسده باتجاه سحق ألآخرين.فلم نشهد فولتيرا عربيا بقدر ما شهدنا قطعانا تنتمي إسما وليس سموا الى مهنة الثقافة والفكر والأدب أكثر عشقا للإستبداد من الفترات التي كنا نظنهم فيها أعداء للظلام ومناصرين للحرية!
أما الحل لهذه المعضلة التي تعاني منها أمة تعشق الإستبداد والمستبدين : فربما يكمن في ثورة ضد الثقافة التي رسخت في ذهن العريي.. الإيمان بعظمة من يقول : اني أرى رؤوسا قد أينعت...و أتوني به كي أقطع رأسه.. وأنا ابن جلا وطلاع الثنايا.. والكثير من إفرازات تلك الثقافة التي لازالت تُفرز في واقع العرب الحالي مئات أضعاف ماتم إفرازه في العصور القديمة التي لم تكن تملك فضاء ولا تكنلوجيا مثلما يملكه سماسرة الحروب والتخلف والجهل والكراهية في عصرنا الحاضر!!
ثورة فكر تقتلع من اللاوعي : كل المسلمات التي تستهين بكرامة الإنسان وحريته وعقله.
المسلمات : التي حُفرت في ذاكرة العربي بفعل التلقين والتكرار والتأريخ الممنهج حتى سيطرت على روح الانسان وعقله وأصبحت بفعل التراكم التاريخي في ظل وطأة الاستبداد والخوف والقهر : مسلمات مقدسة يُحرم التشكيك فيها أو حتى التساؤل حولها برغم بشرية فلسفتها التي لاتنتمي الى وحي الدين الحقيقي بقدر ماهي نتاج أنفس مريضة تتحكم فيها دوافع خفية استغلت التباين وسط أمة تتحكم فيها العاطفة والأهواء والنعرة لتكرس عبرعصورالتاريخ نزعة الشقاق حتى أصبح الشقاق ذاته مطية لكل طاغية كي يستمر في استبداده مستندا على فكر السماسرة ووعظ المتاجرين بالدين، فتحول الإيمان الى ايديلوجيا ومنهج تجهيلي لإبقاء الإنسان تحت سطوة الخنوع.
لكن اللوم يقع أولا وأخيرا على الوعي الجمعي الغارق في جهله حتى يستنهض النفس من تسفلها كي ترتقي الى مصاف النفوس المتلهفة للتحليق في السموات الصافية بكل حرية!
الحرية: هي من يصنع الناس..الأسوياء.. الأقوياء..الأنقياء.
وعندما تغيب شمس الحرية عن واقع ما : يحل البلاء.. والشقاء، ليتسيد القتلة ومعتوهو الأنفس كل ميادين الحياة!
لكن النفس الحرة النقية : لاتستطيع أن تنهض من ظلمتها قبل أن يتجاوز العقل محنته ويعانق النور عبر خلق مسلماته الجديدة بالشك في كل قديم يلغي آدمية الإنسان، ثم يصنع محطة فكر من وحي الأشعة الجديدة تنطلق منها النفس المستنيرة بنور العلم لتكتشف معالمها التي تشوهت بفعل الخرافة مثلما تنطلق الكرياستي curiosity باتجاه المريخ غير مبالية بظلامية الذين ينكرون حقيقة دوران الكرة الأرضية!
والعالم الغربي لم يتحرر من سيطرة الظلام على عقله قبل أن يمنح لذلك العقل حرية التشكيك في المسلمات ليكتشف عبر مبدعيه التنويريين أن للحياة وجه آخر أجمل وأصفى وأنقى من الوجه الذي يصوره الظلاميون في كل العصور كمرآة للخرافة المقدسة التي ما أن تسيطر على فكر الإنسان حتى تصبح سجنا مقدسا تُمارس فيه كل طقوس الإيمان المزيف بعيدا عن لذة الإيمان الحقيقي الذي يحرر الإنسان من مخاوفه حين لايكون له إله إلا الله الواحد الأحد، ولايكون عبدا عند آلهة متعددة تدعي عبادة الله وهي لاتعبد غير أنانيتها وظلمتها وعشقها أن تكون مستبِّدة بعقول السذج والأبرياء ومستبَدُ بها عند من يستخدمها عصى للإستحواذ والإستبداد.
لذلك.. فإن الثورة الحقيقية، تبدأ برفض المسلمات التي تجعل من الإنسان عبدا لإنسان آخر أو لخرافة.. وتصنع فكرا جديدا محوره الإنسان وعزته وكرامته وحريته. ومن يبرر لواقع ما..أيا تكون ميزات ذلك الواقع ومبرراته وهو لايحترم حرية الإنسان وحقه في التنوع والإختيار فهو : ظلامي لايستحق البقاء ويجب أن يحاكم في محكمة التاريخ ساعة يعلن التاريخ عن ثورته الحقيقية وكشف أوراقه!!
&
&
&
&