: آخر تحديث

لا نتجرأ محو الألم

   نقلت الأقمار الأصطناعية بالصور المروعة، آخر أخبار التدمير على أرض الحضارات والأديان، لتتجاوز القائمة المائة معلم تاريخي، وهذه المرة، نسف واحد من أقدم أديرة العراق وربما أقدمها.. قد تحول الى مجرد حطام، ما نراه فعلا يشبه الغبرة البيضاء التي تكسي الأرض، اي، عدم رحمة صادفته الضحية الجديدة (دير مار ايليا) في الموصل .

  واحدة من محاسن كوني انسان، حصولي على صفة (كائن يحلم) وأحلامي تنوعت بتنوع محطات الحياة وتلك الأحلام لم تتعرض للأعدام فقط بل تم تدمير كل محطاتها والتدمير يلاحقني طالما انا كائن من وطن تعرضت أحلامه وبأكثر من محطة الى الأهانة التاريخية.. لنحلم، لم لا والثمن دفعناه من مصيرنا بالتمام! رد وحيد لدي من جهة كوني من مواليد في مكان قريب جدا من الدير المنكوب في الموصل، ردي ليس عبارة عن فوضى انفعالية او استبدال احقاد بأحقاد أخرى، ولست ايضا مؤمنا لايشق له غبار، انا شخص عاش سنوات لابأس بها جوار النبي شيت وتمثال الملاعثمان والنبي يونس وقبر البنت وكنيسة الطهرة والحضر والنمرود وبوابة نركال والخ، تأثري بالقائمة المئوية للمواقع التاريخية التي ابتلعتها النفوس الخربة لصنف معقد من البشر ظهر في ظروف ولادة معقدة، يدفعني كي أكون فضوليا بهذه اللحظة المأساوية و صاحب أمنية قد تحققها أجيال قادمة ومتقدمة على أجيالنا الخربانة، بأحياء المواقع التي تعرضت للعدوان ومن ضمنها (الدير الخربان ) وهي تسمية موصلية شعبية عرف بها دير مار أيليا بعد أن استشهد فيه مائة وخمسون راهبا وتعرض للحرق والسلب وتدمير جزء منه تحت سنابك خيل (طهماسب) الأرهابي، في أيام كانت الموصل فيه محاصرة والمسيحيون فيها كانوا كتفا لكتف مع مواطنيهم من الأديان الأخرى، تذكر مدونات التاريخ بحقيقة أن مريم العذراء كانت شفيعة خلاص لسكان المدينة.. هذه محطة واحدة من محطات مأساوية كثيرة  تعرض فيها الدير للعدوان والأهانة ومن ضمنها قيام عناصر من المارينز بمسح رسوم تاريخية على جدار في الدير وكتابة أشياء أخرى مثل ( أحبك ياديبي )! أو حذف النقوش أعلى بوابة الدير وتعليق شعار المارينز عليها، فلا يمكن أن يتحول دير يتكون من ستة وعشرين غرفة رهبانية  الى مقر لوحدة عسكرية الا في أفلام السينما الأمريكية، بعد أن يتم القضاء على الهنود الحمر ويجلس أفراد العصابة حول نار أضرموها كرمز للأنتصار! كيف لا وأهل الدار جعلوا ( الدير الخربان )  اطلالا، الأقتراب منها يعني التجسس أو انتهاك شرف وحرمة العسكرية العراقية، ومسموح طبعا لمراتب وضباط بالأختلاء في الدير، منطقة عسكرية داخل حدود معسكر لم يتوقف توسعه حد الأنهيار من شدة أعياء القتالات التي تشتد ولاتهدأ، معسكر الغزلاني، المعروف دوليا ايضا، فالعراق ومنذ عقود طويلة، معسكرات لجيوش محلية ودولية مختلفة! 
   اتحول الى حَمل وديع في حضرة (الدير الخربان)  يتشمس في ربيع الموصل على حشائش ادوية تنمو على تربة وردية حول الدير وأكون خروف أُمنية بعودة الدير الى مكانه كما تعود العنقاء الى مكانها من الرماد، وأنا (الكافر النمساوي) الذي ولد في الموصل موطنه الأصلي! .. في حزيران عام 2012 نشرت صحيفة الزمان نصا لي بعنوان ( ضراوة الموت اللآمتوقعة ) وقد أهديت النص في السنة الثانية بعد رحيله الى روح أخي الفنان الراحل لوثر ايشو آدم، نص ختمته بجملة(لانتجرأ محو الألم) التي هي عنوان لمقالي ايضا، تجرأ الأرهابيون بفجعنا للمرة تلو المرة بتشريد انساننا وقتله، وتجرأوا بتدنيس وتدمير معالم صمدت قرونا طويلة رغم الزلازل والأهوال المتعاقبة، لكن سفلة العصر أقسموا قسما شيطانيا بأن يغرزوا النصل حتى العظم وأذا كانوا قد تجرأوا علينا وتمادوا وهدفهم نهايتنا، فنحن لا نتجرأ على محو الألم! تضمن نصي، المقطع التالي:
 (.. التراب الوردي، يحتضن أعشاب الأدوية 
روح مُستلبة لفنان برئ 
حياتهُ صمت حكيم وأنين هامس 
كالدير الخربان، لاحق الزمن معالمه.. )
  لاحق الزمان بمفارقاته التراجيدية اخ لي، كما لاحق الدير الخربان تماما وكتب الأرهابيون بأحرف من دم خاتمة لحياة الدير المهجور في تاريخهم النازي في القرن الواحد والعشرين الخربان، وهو ماحرك قلمي بتواضع لكتابة هذا المقال وليس بدافع أخلاق هيغلية! نص ختمته بجملة(لانتجرأ محو الألم) التي هي عنوان لمقالي ايضا، تجرأ الأرهابيون بفجعنا مرة تلو المرة بتشريد انساننا وقتله، وتجرأوا بتدنيس وتدمير معالم صمدت قرونا طويلة رغم الزلازل والأهوال المتعاقبة، لكن سفلة العصر أقسموا قسما شيطانيا بأن يغرزوا النصل حتى العظم وأذا كانوا قد تجرأوا علينا وتمادوا وهدفهم نهايتنا، فنحن لا نتجرأ محو الألم! تخيل معي بأن كل المعالم الأثرية الحضارية التي دمرها برابرة قرننا الحالي الذي اعتبره قرنا من القرون الوسطى ( اسمح لنفسي بذلك لأنني شاعر أحيانا ومٍباركُ علي بعضُ الجنون) تخيل بأن ماهوى تحت معاول الهدم وجراء النسف من كنوزنا الأنسانية في نينوى وفي كل مكان سيتم في (زمن ما) أحلالها ثانية كما كانت في أماكنها،  حصرتُ الزمانية بقوسين لكي أبتعد بدافع المنطقية عن اي وهم بأن ذلك سيحصل في وقت قريب! لكنني لفرط تأثري بأختفاء كنوز أنسانية هي أمكنة بالفطرة الأنسانية قطعة من طينة الحنين، افسح لمخيلتي كتعويض لعقم مخيلة ذلك الواقع، بالتمني والحلم فقط تأثري بالقائمة المئوية للمواقع التاريخية التي ابتلعتها النفوس الخربة، صنف معقد سالب من البشر، ظهر في ظروف ولادة معقدة. هناك مبانٍ نعتبرها امكنتنا وللآخرين مبانٍ يفضلونها ايضا، ثمة قاسم مشترك بين كل البشر بشكل أو آخر في كل عمائر العالم! ثمة من يعاني من انقباض لمجرد وجود كائن معماري يشاركه الوجود بكائنه المعماري، وعندما يؤدي منظور اعتقادي معين، الى تدمير ومسح معالم تاريخية صمدت لقرون طويلة، فذلك يعني وجود شرخ في العلاقة مع الموجود الذي لايحق سوى لخالقه أزالته وفي حالة قيام الأرهابيين بتلك الوظيفة فأنهم يَدعون مالايحق لهم فيه من حق ويتشبهون بالخالق بقدرة المحو و هو على كل شئ قدير.
 
 
 

أية اعادة نشر من دون ذكر المصدر ايلاف تسبب ملاحقه قانونيه


عدد التعليقات 2
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
1. العراق جرح غائر من يداويه
نورا - GMT الأحد 31 يناير 2016 18:24
لا أعلم حين التحدث عن العراق يكون الحوار كثيف الحزن وغائر الجرح ...لا أعلم ربما لا نصدق ان بلاد الرافدين التي كنا نذكر تاريخها في مناهجنا المدرسية في طفولتنا وانها بلد الخير والمحبة والغنى والأرض الخصبة ..في كتب الطفولة كنّا قد درسنا عن العراق وأرض دجلة والفرات وكنا نحلم بزيارتها وكان الدرس مربوطا بصور النهر والأرض الخضراء والآثار الفخمة ...لماذا صارت هكذا ؟؟؟؟...يقول الشاعر فاروق جويده ....دعني وجرحي فقد خابت أمانينا .. هل من زمانٍ يعيد النبض يحيينا , يا ساقي الحزن لا تعجب ففي وطني .. نهر من الحزن يجري في روابينا.
2. شعار
فول على طول - GMT الأحد 31 يناير 2016 20:19
الدم الدم الهدم الهدم ..هذا هو شعار أعداء البشرية والانسانية والحضارة القديمة ..أعداء العلم والتقدم ....الدم هو غايتهم والهدم هو هوايتهم ...أتوقع أن يقضون على أنفسهم والعالم سوف يساعدهم على ذلك . هنئيا للمؤمنين ولا عزاء لهم ولن يحزن العالم لفراقكم .


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في رأي