يرد بين الفينة والآخرى في الحراكات الفكرية الجارية مفهوم (هيبة الدولة)، وذلك للإشارة الى ضعف الدولة او قوة العناصر المؤثرة في صنع الحدث السياسي حولها وداخلها. وغالباً ما يرتبط هذا المفهوم في ادبيات الشرق الأوسط في هيمنة الدولة وخوف المواطن منها كإشارة خفية الى قوة النظام وجبروته.

ومن يتمعن في مفهوم هيبة الدولة، عليه ان يفكك العلاقة بين الدولة ككيان مهمته ادارة الشأن العام وتحقيق العدالة في الفرص والثروات وتأمين السلام الاجتماعي من جهة والنظام السياسي الذي يحقق تنفيذ مهمات الدولة بشكل متوازن ويوظف (عامل ألزمن لصالح المواطن) من خلال مراكمة المنجزات. ومن يراقب مسيرة الجمهورية الاسلامية على سبيل المثال، بعد انتهاء الحرب العراقية الإيرانية عام ١٩٨٨ او مسيرة دولة رواندا بعد انتهاء الحرب الأهلية عام ١٩٩٣ مقارنة بمسيرة الدولة العراقية بعد سقوط نظام صدام عام ٢٠٠٣ يلمس التباين في توظيفات ( عامل الوقت ) بين هذه التجارب، حيث حققت ايران طفراتها المعروفة لتكرس الى حد ما هيبة دولتها وقفزت رواندا على جروحها وأحسنت تنفيذ عدالتها الاجتماعية وتحديث مفاصلها وحصلت على معدل نمو ( ٨٪) تنمية تنافس به الدول الكبيرة لتخلق دولة ( مهابة ) جوهر مهابتها سيادة القانون وما حققته من عدالة وتنمية وقبول شعبي عام .

ومن هنا يرتبط مفهوم ( هيبة الدولة ) في الأديبات الغربية بـ(سيادة القانون) التي تعني مرادفة هذا المفهوم (الهيبة ) مع قدرة الدولة على جعل القانون عنصر عدل وسعادة وأسلوب لتنظيم الحياة وتحقيق مؤشرات تنمية متصاعدة .

واستنادا الى ذلك ، لم تكن الدولة العراقية ( مهابة ) خلال حكم صدام حسين لضعف هيبة مواطنيها وغياب القانون الذي وصل درجة الاذلال من خلال تعبير الحاكم (القانون جرة قلم عندي !!!!!) ... ........ تلاشت هيبة الدولة إذن لعدم وجود تنمية وغياب المؤسسات التي ترتكز عليها الدولة في تنظيم الشأن العام .

وفي السياق ذاته ، فان الحديث عن هيبة الدولة بعد عام ٢٠٠٣ يحب ان يكون مشفوعا بالمؤشرات السلبية التي ميزت اداء النظام السياسي الحاكم لحد الان : فدولة يبذر النظام الحاكم فيها الثروات المتراكمة نتيجة أسعار النفط العالية على الفساد والفشل ويبني جيشا فضائيا ينحني امام عصابة ارهابية ويخسر ثلث الارض ويستند على قضاء مسيس يقدم الباطل على الحق وتتوزع ولاءات رجالاته بين الدول القريبة والبعيدة لا يمكن ان تكون دولة مهابة ولا يصح لنخبها السياسية الحديث عن الهيبة .

الدولة الحقيقية التي تمتلك المؤسسات وتعمل بالخطط والمؤشرات وتحتكر العنف وتحسن ادارة التنوعات وينفر مواطنوها خفافا وثقالا لتحقيق المنجزات لا توجد في العراق اصلا حتى توجد لها (هيبة ).

الدولة العراقية الحالية فلك (ذليل) يدور حول نفسه ككيان هلامي وتدور داخله وحوله افلاك بهيئة مجاميع متنوعة تتنازع سحب الثروات العامة وتمتلك الكيانات الراسخة والعلاقات الواسعة وتتقاسم او تتنافس بينها احتكار العنف.