اختار وزير الخارجية الايراني محمد جواد ظريف صحيفة "نيويورك تايمز " لنشر مقاله الذي حاول من خلاله تبرئة بلاده من تهمة الإرهاب والتنصل من رعايتها للحركات الارهابية، كما حاول ايضا القفز على حقيقة ان إيران هي أكثر الدول انتاجا للحركات المسلحة الإرهابية منذ نجاح الخميني في سرقة ثورة الشعب الإيراني وانقلابه عليها وتأسيس نظامه الثيوقراطي عام 1979.
اختيار ظريف لهذه الصحيفة ليس لأنها الأهم في اميركا فحسب بل لأنها معروفة بانحيازها التام لإسرائيل وقربها من الحكومة الإسرائيلية لذلك فإن رسالة ظريف التي عكست الموقف الإيراني الرسمي هي بالحقيقة رسالة مزدوجة، فهي من جهة تعرض خدماتها واستعدادها لدعم اميركا في اي حرب مقبلة في منطقة الشرق الأوسط كما فعلت مع الغزو الاميركي للعراق، ومن جهة أخرى تبعث رسالة تطمين الى تل ابيب بان طهران لاتمثل خطرا على وجودها وهي ليست عدوة لها ايضا، والتصريحات النارية ضدها ليست أكثر من كلام تستخدمه طهران لتبرير قمعها في الداخل وتقوية نفوذها في الخارج.
&أعتمد ظريف في دعوته الغرب الى القيام بحرب كونية على الإرهاب، في ان المذهب المنتج لداعش وقبلها القاعدة هو غير المذهب الرسمي لبلاده، لذلك ظن انه من الممكن خداع العالم وجعله يصدق بان طهران ضد الإرهاب وهي ضحيته لان داعش يدعو علنا الى إبادة كل من ينتمي الى المذهب الشيعي وهذا بإعتقاد ظريف ونظامه يمثل دليلا كافيا على (مصداقية طهران ) في معاداتها للإرهاب، لكنها ليست أكثر من محاولة بائسة وغير موفقة لاستغفال الآخرين والتعامل معهم وكأنهم مصابون بالبلادة أو على الاقل ان ذاكرتهم مثقوبة ولايحتفظون بسجلات ضخمة عن تأريخ ايران الخمينية الإرهابي ودورها في دعم وتأسيس العشرات وربما المئات من التنظيمات الإرهابية في مختلف الدول، والعالم يذكر جيدا ان ايران الخمينية هي أول من صنع الإنتحاريين والسيارات المفخخة، حتى قبل ولادة تنظيم القاعدة الإرهابي.
وعلى سبيل المثال، هل تنسى واشنطن مثلا ان ايران هي أول من أستهدفت سفاراتها وقامت بقتل مواطنيها بالسيارات المفخخة؟ أم تنسى الدعم اللوجستي والمادي والتدريب الذي قدمته طهران لزعيم تنظيم القاعدة السابق اسامة بن لادن ؟؟. وهذا الدعم مكشوف وعلني وكانت طهران واحزابها في العراق تتفاخر به، فعناصر "حزب الدعوة " و "منظمة بدر" كانوا يفتخرون بانهم ساهموا في تدريب بعض عناصر التنظيم تنفيذا لأوامر إيرانية وبإشراف حرسها الثوري، كما كانوا يرفضون إتهام اسامة بن لادن بالطائفية وينفون عنه القيام بأية عمليات قتل وإبادة لاسباب طائفية ويؤكدون انهم كانوا يتنقلون بين إيران وافغانستان بعلم اسامة بن لادن و(تنظيم القاعدة ) و(حركة طالبان ) ولم يعترضهم أحد بسبب خلفياتهم المذهبية، وهذا سمعته من أكثر من واحد من قادة وعناصر "حزب الدعوة ومنظمة بدر " بعد عودتهم الى العراق عام 2003.
وإيواء إيران للأب الروحي لداعش ابو مصعب الزرقاوي لأكثر من سنتين بعد عودته من افغانستان ورفضها لطلب الاردن تسليمه لها، هي معروفة ومشهورة وكان آخر طلب اردني رفضته طهران في ايلول (سبتمبر) من عام 2003، وهذا منشور وموثق في مختلف وسائل الإعلام العربية، ولم تسلم إيران الزرقاوي الذي انتقل منها الى العراق حيث أرسلته ليقوم بتأسيس منظمة فرعية للقاعدة تحت اشراف الجنرال قاسم سليماني وبدعم وتمويل من موازنة الحرس الثوري، ليقاتل الاميركيين لان طهران كانت تظن ان الجيش الاميركي سيتوجه لإسقاط نظامها بعد إكمال مهمته في العراق. وأستمرت إيران بتزويد الزرقاوي وتنظيمه بالأسلحة والمعدات وتحديد الأهداف له حتى مقتله في عام 2006 في محافظة ديالى المحاذية لإيران، هذا على الرغم من عداء الزرقاوي وتنظيمه الشديد للشيعة ودعوته العلنية الى إبادتهم وتنفيذ تنظيمه الآلاف من عمليات القتل الجماعي وتفجير الانتحاريين والسيارات المفخخة والعبوات الناسفة في الاسواق والتجمعات والمدن الشيعية، فالنظام الإيراني لايكترث لمصير الشيعة العرب ولايتردد هذا النظام من السير على أجساد كل شيعة العالم قبل سنته من أجل مصالحه، ولايمثل المذهب والإسلام عموما لنظام طهران أكثر من وسيلة يحقق بها تلك المصالح.
العالم ليس مثقوب الذاكرة فهو يعي تماما ان الأفكار المتطرفة والحركات الإرهابية حتى وان كانت تعتمد في شرعيتها على بعض النصوص والتفسيرات لرجال دين من مذهب معين، فإن هذه الحركات ما كانت لتولد لولا بدعة الإسلام السياسي ونجاح الخميني وجماعته في الوصول إلى السلطة وتأسيس الدولة المذهبية العابرة للحدود لتحل محل مفهوم الدول القومية الجامعة الذي تبناه العالم قبل أكثر من مئتي سنة، وبذلك داست دولة الخميني بأقدامها على كل الأعراف والقوانين الدولية التي تم أصدارها لحماية الامن والسلام العالمي.&
وإنشاء دولة دينية مذهبية في إيران أستفز مشاعر الآخرين لاسيما الفصائل الاسلامية السنية وولّد في صدورهم الغيرة والأمل معا في استدعاء الماضي وإقامة الخلافة مرة أخرى ومنحهم دافعا معنويا كبيرا لتحقيق هدفهم بالأضافة للدعم المادي والتدريب والمآوى والحماية التي وفرتها طهران لهم لأكثر من ثلاثة عقود، وهذا الدعم كان السبب الرئيسي لإنتشار الجماعات الارهابية وتكاثرها، ولولاه لما شاهدنا ظهور حركات مثل القاعدة وداعش لاسيما وان التفسيرات المتزمتة للدين موجودة منذ أكثر من 800 عام، لكنها لم تنتج جماعات إرهابية تمارس القتل والإبادة الجماعية وتشرعن قتل المدنيين في الشوارع والمنازل والأسواق والامكان العامة.
&وهناك الف علامة استفهام ومؤشر على علاقة نظام طهران بداعش، فالجنرال قاسم سليماني هو القائد الفعلي للعراق ولقواته المسلحة منذ أواخر عام 2008 وحتى تشرين الاول (أكتوبر) من عام 2014، وليس من المستبعد ان يكون سليماني نفسه من خطط واشرف على مايسمى بعمليات (هدم اسوار السجون ) وتهريب المئات من قادة داعش وأرسالهم الى سوريا لتقوية نظام بشار الاسد من خلال شق صف المعارضة وأشغالها في صراعات جانبية بين فصائلها وتشويه سمعتها من خلال ربطها بالإرهاب لإيقاف الدعم الاميركي والغربي عنها واحراج الدول العربية الداعمة لها.
&لكن الأمر الذي لم تخطط له طهران هو ان هذه الجماعات لايمكن السيطرة عليها والتحكم بها طويلا، فما ان تقوى شوكتها حتى تبدأ بتنفيذ مخططها وتحقيق أهدافها حتى وان تقاطعت مع مصالح وأهداف الراعي الرسمي لها، وهذا ما قامت به داعش عندما قامت بإحتلال الموصل ومن ثم تمددها السريع في أكثر من ثلث مساحة العراق وتهديدها لبغداد ذاتها، ما أصاب طهران بالصدمة والذهول وجعلها تسمح لأحزابها في العراق بإستدعاء واشنطن لمعاقبة وليدها العاق والقضاء عليه لانه خرج عن السيطرة وأصبح يهدد ليس مصالحها فقط وانما حتى استقرارها وربما وجودها. وهذا لن يبيض صفحة ايران بل على العكس هو أثبت للعالم ان لا استقرار ولا أمان في الشرق الاوسط ولا نهاية للإرهاب والتطرف إلا بوضع حد ونهاية للنظام في طهران ومساعدة الشعب الايراني الذي انطلق منه ربيع المنطقة عام 2009، في التخلص من هذا النظام الذي يدير الإرهاب والحروب والفتن المذهبية في العالم العربي.




















التعليقات