نابوكو، تحالف شركات مدعوم من الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي لبناء خط انابيب للغاز الطبيعي من آسيا الوسطى وبحر قزوين الى أوربا مرورا بالاراضي التركية. سيسمح هذا المشروع العملاق والمتوقع الانتهاء منه في العام 2018 بنقل الغاز الطبيعي من تركمانستان وأذربيجان، وربما لاحقا من دول أخري في الشرق الأوسط، الي الدول الأوربية التي هي في أمس الحاجة الى إيجاد مصدر بديل للغاز الروسي. فأوروبا لن تقبل أبدا بالابتزاز الروسي فيما يخص إمدادات الغاز اليها كما حدث فعلا خلال الأزمة الاوكرانية الحالية.

أن المشروع في حال اكتماله يُعد ضربة قاصمة للاقتصاد الروسي المترنح أصلا. فخسارة الزبون الأوربي ستحرمه من ايرادات ضخمة في وقت تتراجع فيه أسعار النفط في العالم أيضا. فكما هو معلوم فأن الاقتصاد الروسي يعتمد بالأساس على تصدير النفط والغاز وأي تهديد لهما يوازي اعلان الحرب على الدب الروسي. هذا علي الجانب الاقتصادي، اما على الجانب السياسي فستفقد الدبلوماسية الروسية ورقة ضغط رابحة مارستها ويمكن ممارستها فيما يستجد من أزمات مع الاتحاد الأوربي. ان العلاقة ما بين سيد الكرملين وأحبائه في عملاق الغاز الروسي جاز بروم هي علاقة عشق أبدية، تحتم اليه المجئ الى نجدتهم في أوقات الشدة. فجاز بروم، الدولة داخل الدولة، تعتبر مكونا رئيسا في النظام الروسي لا يمكن بأي حال من الأحوال غض الطرف عن مصالحه. فهي تنتج ما نسبته 20% من الطلب العالمي للغاز الطبيعي وتمتلك بنسبة مماثلة من احتياطياته.

لقد وجد الرئيس بوتين في أطالة آمد الأزمة السورية والتردد الأمريكى ازائها فرصة نادرة ربما لن تتكرر لتوجيه ضربة استباقية لمشروع أنبوب الغاز الوليد. فتركيا، والتي هي حجر الزاوية في المشروع، متورطة في هذه الأزمة حتى أخمص قدميها وتشترك بحدود طويلة وهشة مع سوريا. فعلي جانبي الحدود يعيش الأكراد المتطلعين منذ سايكس بيكو الي وطن قومي يلبي أحلامهم وطموحاتهم. والأقلية الكردية في تركيا تخوض منذ عقود صراعا مريرا ودمويا مع انقرة وتشكل مناطقهم مسارا طبيعيا لخط سير المشروع. فزعزعة الكيان التركي وامتداد الأزمة السورية آليه تشكل "ضربة معلم" للمشروع من أساسه. فكان التدخل العسكري المباشر وضربات سلاح الجو الروسي لإفساح المجال "لأقليم" كردي يتكون في الشمال السوري، ويجعل من حلم الأكراد في وطن قومي على جانبي الحدود أمرا واقعا يحتم على الاتراك مراجعة حساباتهم ومغامراتهم.

أنه من الصعب التصديق ان التدخل الروسي جاء بناء على طلب من الولي الفقيه لإنقاذ نظام الحكم في دمشق. فالروس لا يدفعون شيئا حتى يقبضوا الاثمان، والورقة الكردية ولجم الأتراك وقاعدتي حميميم وهمدان جمعيها تبدو أثمان منطقية وواقعية تبرر للسيد بوتين تدخله في سوريا، وتسهم بالأساس في سعيه الحثيث لتقويض مشروع خط الأنابيب "المشؤوم" وانقاذ اقتصاد بلده من خطر محدق. انه الغاز يا سادة يرسم حدود المنطقة تمام كما فعل النفط في أربعينيات القرن الماضي، وها هي عقدة الجغرافيا ترغمنا مرة أخرى على خوض حروب الآخرين على أرضنا، حروب بطعم الغاز.