قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

&
لم تنجح محاولات الحركة السياسية الكردية في سوريا، طوال عقود، في تهدئة مخاوف المعارضة السورية، و تبديد هواجسها، بخصوص القضية الكردية، عبر نفي أي توجه إنفصالي لديها، و تأكيدها الدائم على ضرورة إيجاد حل وطني ديمقراطي لها في إطار الدولة السورية، مع الأخذ بعين الإعتبار، أن أي حل ناجز في هذا الإتجاه، يتطلب توافقاً وطنياً، أساسه إقراراً دستورياً بالتنوع القومي و الديني و المذهبي في البلاد، و الإعتراف المتبادل بين كافة المكونات المجتمعية السورية. إذ أن التصورات المبنية على الشك و عدم الثقة، بل و الطعن في صدقية الموقف الكردي، في أغلب الأحيان، و ردّه لضرورات تكتيكية، غير مبدئية، قابلة للتغيير في أي وقت، وفقاً لتغير الأحوال و الظروف السياسية، بقيت سيد الموقف على الدوام.&
و مع أن الإنتفاضة السورية، شرعت أبواباً للمستقبل، و أحيت آمال السوريين، في إمكانية الإنتقال من نظام قمعي إستبدادي إلى نظام ديمقراطي، يضمن العدل و المساواة لجميع السوريين، إلا أن إنتصارها كان رهناً بقدرة و إمكانية القوى و الشخصيات السورية المعارضة على الإرتقاء &بمواقفها و أدائها &إلى مستوى الشعارات و القيم، التي هدرت بها حناجر السوريين أثناء الإحتجاجات الشعبية في شوارع و أزقة مدن و بلدات و قرى الوطن السوري، و رغبتها، أيضاً، في القطع مع إرث الإقصاء و الإنكار و التمييز، التي أرسى النظام الأسدي دعائمه بين السوريين، طوال سنوات حكمه. و ذلك، لأن النظام الأسدي ما كان له أن يحكم البلاد، طوال هذه الفترة الطويلة، لولا القبضة المحكمة لأذرعه الأمنية في طول البلاد و عرضها، دينها و دينها في ذلك، بث الفرقة و الشقاق بين السوريين و مكوناتهم، عملاً بالمبدأ الإستعماري القديم «فرق تسد». و ما يحز في النفس، أن النظام ما كان له أن ينجح في سياسته الداخلية هذه، ما لم يفلح في تدجين المعارضة السورية، و تشريبها من معين المنظومة الإرتيابية التشكيكية، التي جسدها في نفوس و عقول السوريين تجاه بعضهم البعض.
و يبدو، في ضوء الأجواء الحالية، أن كل ما قيل عن وحدة السوريين، و عن إطار وطني يضمن مساواتهم، و يحقق لهم مشاركة فعلية في رسم مستقبل بلادهم، بات مجرد كلام في الماضي، بعد أن بيّنت تطورات الحالة السورية، عمق المشكلات البنيوية التي تعاني منها، وجدية الشروخات و الإنقسامات المجتمعية الناجمة عنها، جراء إرتدادات الصراع الداخلي من جهة، و التدخلات الإقليمية في شؤونها من جهة أخرى. و عليه، يبدو أن المواقف التي إتخذتها بعض أطياف المعارضة السورية فيما يتعلق بالقضية الكردية، و سبل حلها، كتلك التي صدرت في الثمانينات من رابطة العمل الشيوعي، عندما أقرت في برنامجها السياسي حق تقرير المصير للشعب الكردي بما فيه حق الإنفصال، و كذلك الرؤية التي عبرت عنها لجان التنسيق المحلية في بدايات الثورة السورية، دفاعاً عن تعددية مجتمعية سورية، لا يستدعي صونها، تغليب أية صفة رمزية لمكون في سوريا على أخر، في إشارة إلى الصفتين العربية و الإسلامية، مجرد صفحات عابرة في تاريخ المشهد السياسي السوري، و بخاصة عندما كان أصحابها، لاحقاً، أول من باعوها في بازار تحصيل الدعم من هذا الفصيل السوري، أو تلك الجهة الإقليمية.&
و إذا كان هناك ما حال دون إنخراط الكرد، بصفة عامة، في الحالة الوطنية السورية، فهو ذلك الفهم الغامض و الملتبس الذي تعبر عنه المعارضة للهوية الوطنية السورية، و دعوة الكرد إلى ما يمكن تسميته ب«الإندماج القسري» فيها، باعتبارهم، أولاً و أخيراً، مواطنين سوريين، دون الأخد بعين الإعتبار، جملة العوامل التاريخية و الجغرافية و الثقافية المميزة للقضية الكردية، سواءً في سوريا، أو في باقي دول الجوار، أو تحمل مشقة البحث عن صيغة سياسية و قانونية، تضمن حقوقهم السياسية و الثقافية في البلاد. و عليه، لم يكن من الحصافة في شئ، إتهام الكرد بالسعي إلى تقسيم سوريا، أو الإنفصال عنها، في ضوء المقاربات الفوق وطنية للحالة السورية، سواءً كانت عروبية أو إسلامية، التي إعتادت القوى السورية المعارضة التعبير عنها، و حولت بموجبها البلد إلى مجرد محطة تزانزيت في وهم البحث عن أمة عربية في دولة واحدة، أو إسلامية واحدة. الأمر الذي خلق بالمقابل وهماً معاكساً يشي بإمكانية جمع الأمة الكردية في دولة واحدة. و إذا كانت المسؤولية الأخلاقية و التاريخية تقتضي إقراراً ما، فهو ذلك الإعتراف، بأن المكون العربي السوري، بصفة عامة، و من يدعي تمثيله، يتحمل القسط الأكبر من ما آلت إليها العلاقة بين العرب و الكرد في البلاد، في الوقت الراهن، كونه المكون المجتمعي الأكبر، الذي يقع على عاتقه، أولاً، و قبل غيره، فك الحالة الوطنية السورية عن الأوهام العابرة لها، و إظهار النية الجدية للبحث عن صيغة عيش وطنية مشتركة، تعبرعن التعددية المجتمعية السورية، و هذا يقتضي منها، القبول بالصفة المركبة للهوية الوطنية السورية، التي تشكلها عناصرها، التنوع القومي و الديني و المذهبي.&
و قد كان من شأن إتفاق النظام و المعارضة، الضمني، مؤخراً، على الكثير من النقاط المتعلقة بشكل نظام الحكم في سوريا، و صفة و هوية الدولة، كما جاء في ورقة ديمستورا الأخيرة للحل السياسي في سوريا، أن يعيد العلاقة الكردية ـ العربية إلى المربع الأول، حيث الخلاف و التناحر و الإتهامات المتبادلة، و يقذف مستقبل البلاد إلى المجهول، في ظل الإنقسام الفعلي في سوريا، سياسياً و عسكرياً، الذي يراد له أن يحسم عسكرياً، مستقبلاً، من قبل سلطة سورية مركزية، بدعم من الأغلبية العربية في سوريا، و قوى إقليمية في المنطقة، بالضد من إرادة الكرد المطالبين بنظام ديمقراطي فيدرالي تعددي، يضمن مصالحهم المشتركة مع شركائهم السوريين.&
و عليه، فإن من يتابع السجالات الحالية، يدرك أنه حيال مقاربات مكررة، &إعتاد الكرد سماعها من المعارضة السورية، و التي لا تختلف في جوهرها و أسسها، عن تصورات و رؤى النظام السوري، على إمتداد نصف قرن، الأمر الذي يجعل من الخيار الثالث، خياراً لا مفر منه. و ذلك، بعد أن قام النظام بتدمير البلاد، و أظهرت المعارضة أنها ليست الجهة الجديرة ببناءها من جديد.
كاتب كردي سوري
&