يبدو أن الأزمة السياسية بإقليم كردستان قد وصل الى طريق مسدود خاصة بعد فشل محادثات المكتبين السياسيين للإتحاد الوطني وحزب بارزاني قبل يومين بسبب إصرارمسعود بارزاني على موقفه من مسألة تطبيع أوضاع البرلمان، فكعادته في شخصنة الصراعات السياسية أصر بارزاني على تحويل قضية سياسية كبيرة بحجم تعطيل البرلمان وهو أعلى مؤسسة تشريعية منتخبة من قبل الشعب الى قضية شخصية مزاجية،وسبق أن فعل مثل هذا في خلافه مع رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي ما أرغمه على قطع حصة كردستان من موازنة الدولة وتعريض الإقليم الى أزمة مالية خانقة تفاعلت الى حد أن تعجز حكومته من دفع ربع رواتب موظفيها.
اللافت في الصراع السياسي الحالي بكردستان وهو بالمناسبة صراع بين فريقين، الأول يدعو الى ترسيخ أسس الديمقراطية من خلال التداول السلمي للسلطة وتغيير النظام السياسي الرئاسي الحالي الى النظام البرلماني ويضم هذا الفريق الأحزاب الأربعة الرئيسية (الإتحاد الوطني وحركة التغيير والجماعة الإسلامية والإتحاد الإسلامي) وقدموا مشروعا مشتركا الى البرلمان بهذا الصدد، وفريق يدعو الى التفرد بالسلطة والتأسيس لحكم ديكتاتوري ويقف فيه حزب بارزاني وحيدا منعزلا متحديا إرادة الأغلبية الساحقة من الشعب.وما يلفت النظر في هذا الصراع هو موقف رئيس إقليم غير شرعي منتهية ولايته والقاضي بإقالة رئيس برلمان منتخب من الشعب ومتمتع بشرعيته القانونية والدستورية، فعلى الرغم من أن بارزاني وحزبه أصبحا في موقف محرج للغاية بسبب الضغوطات الدولية المكثفة، ورغم أن العديد من قيادات حزبه يقفون بطابور الإنتظار أمام أبواب حركة التغيير لقبول الحوار معهم، لكن ذلك لم يمنع رئيس منتهية ولايته أن يتحكم بمسار المحادثات السياسية ويفرض رأيه على الجميع.
يسعى بارزاني وحزبه بكل جهد لإقناع الإتحاد الوطني بقبول تشكيل حكومة مناصفة مرة أخرى بينهما وإقصاء جميع المعارضين لحزب بارزاني من السلطة، وهذا أمر عجيب وطلب غريب، لأن كل المعطيات والتجارب السابقة أثبتت فشل تلك الصيغة بإدارة الحكم" فيفتي فيفتي" فشلا ذريعا.ومن جهة أخرى فأن جميع من يعارضون حزب بارزاني اليوم هم متحالفون ويقفون بخندق واحد مع الإتحاد الوطني لتغيير النظام السياسي،أضف الى ذلك إن وجود حركة التغيير بالمعادلة وخاصة تواجده التنظيمي داخل الزون الأخضر وهو منطقة نفوذ الإتحاد الوطني وشريان حياته السياسية يجعل مثل هذا الطلب أمرا غير مقبولا بالمرة لأنه قد يؤدي الى إضطراب سياسي وفوضى كبيرة في هذه المنطقة، إذن ليس هناك ما يغري الإتحاد الوطني ليرضخ لمطالب بارزاني ويقوم بمغامرة طائشة كالتي أقدم عليها بعض قياداته عام 2013 حين مرروا قانون تمديد ولايته لسنتين أخريين والتي إنتهت قبل أكثر من ستة أشهر، ذلك الموقف الذي خسر الإتحاد الوطني جرائه أكثر من عشرة مقاعده في البرلمان الكردستاني، فهل يريد حزب بارزاني بإرغام الإتحاد الوطني على موقف داعم له بكسبه كشريك للسلطة، أم يريد إنهائه كتنظيم سياسي جراء تأييده له والمضي معه بتأسيس نظام حكم ديكتاتوري يبقي عائلة بارزاني على الحكم الى أبد الآبدين..
لاشك أن على الإتحاد الوطني أن يفكر مرتين قبل خوض أية مغامرة قد تودي به الى التهلكة، فكما ثبت بالواقع فإن حزب بارزاني وطوال السنوات العشر الماضية من توقيعه الإتفاق الإستراتيجي مع قيادة الإتحاد الوطني لم يتنازل للحظة واحدة عن موقعه كحزب قائد والنظر الى الآخرين كأتباع له، وظهر ذلك جليا في تمثيل الإتحاد الوطني بمؤسسات الحكومات السابقة التي ترأسها حزب بارزاني وخاصة في مجال العلاقات الخارجية والدبلوماسية وفي مجال الحريات التنظيمية الحزبية بمناطق نفوذ حزب بارزاني، وبالمناصب الثانوية في مراكز القرار والسلطة العليا..إن تعقيد أوضاع كردستان أكثر مما هو معقد أصلا بطرح شروط شخصية غريبة على المفاوضات السياسية لايخدم مصلحة الشعب الذي يئن اليوم تحت كومة من المشاكل والأزمات المعيشية ومن شأن تعنت بارزاني وحزبه في مواقفهم تجاه مسألة عودة البرلمان لممارسة مهامه التشريعية أن يودي بالتجربة والعملية الديمقراطية بكردستان الى الهاوية السحيقة.
إن موقف بارزاني من الأزمة السياسية ينطبق تماما مع ما قاله السيد المسيح في موعظته على الجبل في الإصحاح السابع من إنجيل متى حين خاطب أتباعه " لا تدينوا لكي لا تدانوا.لأنكم بالدينونة التي بها تدينون تدانون وبالكيل الذي به تكيلون يكال لكم. ولماذا تنظر القذى الذي في عين أخيك وأما الخشبة التي في عينك فلا تفطن لها. أم كيف تقول لأخيك دعني اخرج القذى من عينك وها الخشبة في عينك ".