قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

ربما لن أكون مبالغا إن قلت أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يعيش أياما صعبة هذه الفترة، إن لم تكن الأصعب على الإطلاق منذ انخراطه فى العمل السياسي.

يعيش أردوغان هذه الأيام، وقد سأت علاقته بشكل كبير مع حلفائه الأمريكان خاصة بعد أزمة منظومة S400 الروسية التي  اشترتها تركيا رغم الرفض الأمريكي وهو ما وضع علاقات أنقرة وواشنطن على طرفي نقيض، دفع الأولى لحرمان الثانية مع منظومة طائرات f35 ،  كما دفع هذا الموقف واشنطن لتعزيز علاقاتها مع وحدات حماية الشعب الكردية،وقوات سوريا الديمقراطية بشمال سوريا التي تصنفها أنقرة ضمن التنظيمات الإرهابية.

خارجيا أيضا، يعاني أردوغان من دهاء الدب الروسي فلاديمير بوتين الذى استخدمه لتحقيق أهدافه فى سوريا بصورة أصبح معها الرئيس التركي مجرد تابع ذليل للزعيم الروسي، ولا يتورع أردوغان عند تقديم المدينة تلو الأخرى من تلك المناطق المشمولة بالحماية التركية داخل سوريا مثل حلب وإدلب والغوطة لقوات النظام تقربا وزلفى لبوتين.

فى سوريا أيضا، يعاني أردوغان من سقوط مؤامرته، وفضخ خيانته للثورة السورية، فصورته التى طالما رفعها السوريين بمناطق سيطرة المعارضة، تم حرقها فى مظاهرات عامة، والهتاف له واعتباره خليفة المسلمين وزعيمهم، تحول إلى "لا إله إلا الله إردوغان عدو الله" !

فى الداخل التركي، ليس الوضع بأحسن منه  فى الخارج، فالمعارضة ضد أردوغان تتصاعد من أقرب حلفائه، لدرجة أن أحمد داوود أوغلو وعبد الله جول شركاء أردوغان فى تأسيس العدالة والتنمية يستعدون لاشهار حزب جديد لمنافسة حزب أردوغان الذى ارتفع عدد المنشقين عنه إلى نحو مليون عضو خلال أقل من عام بحسب جريدة الشرق الأوسط.

على المستوى الداخلى أيضا، ربما يمكن القول أن لا أحد يأمن على نفسه فى تركيا، فالأحكام جاهزة ضد كل معارض لأردوغان بتهمةإهانة الرئيس التى أصبحت تلاحق كل تركي أيا كان منصبه أو حزبه، وليس أدل على ذلك من ذلك الحكم الذى قضت به محكمة تركية الجمعة الماضية بسجن جنان قفطانجي أوغلو مسئول حزب الشعب المعارض باسطنبول ومدير الحملة الانتخابية لرئيس بلدية اسطنبول أكرم إمام أوغلو بالسجن 10 سنوات بتهمة اهانة الرئيس والدعاية الإرهابية، وهى تهمة ربما توجه قريبا لـ حاكم أسطنبول الشاب خاصة بعد أن هدد وزير داخلية أردوغان بتدمير أوغلو ! 

عسكريا، هناك حالة من السخط تجاه سياسة أردوغان التى يراها البعض تستهدف تقزيم الجيش التركي واضعافه وهو ما عبرت عنه الاستقالات الأخيرة التى قدمها 5 من كبار جنرالات الجيش.

من ينجو فى تركيا من تهمة اهانة الرئيس التى تلاحق الساسة والشخصيات العامة، سيسقط بلا شك فى تهمة الانضمام لحركة إرهابية أو دعم جماعة إرهابية وهى تهمة فضفاضة تتسع لكل داعم للحقوق الكردية أو رافض لممارسات أردوغان تجاه حركة الخدمة التى يقبع الألاف من عناصرها فى معتقلات أردوغان.

هذه الأجواء الداخلية والخارجية كفيلة بصنع حالة من الغضب الشعبي تهدد بقاء أردوغان فى منصبه السلطاني بعد أن نجح عبر استفتاء فى تحويل تركي للنظام الرئاسي بصورة جعلت من رئيس الدولة سلطان عثماني جديد يتحكم بشكل كامل فى مقاليد البلاد.

فى ظل هذه الأزمات المتلاحقة، ربما يجدر بأردوغان إن كان يتمتع بشيئا ولو قليل من الذكاء السياسي أن يبحث عن مخرج، لفك تلك الحالة من الحصار التى صنعتها سياساته الخرقاء بالداخل والخارج.

يحتاج أردوغان إن كان يريد البقاء فى السلطة سالما، إلى مفأجاة أنصاره قبل معارضيه، بقرارات ثورية يستعيد بها بداياته التى جعلته حاكما لتركيا لأكثر من 15عاما.

فى 12 أغسطس 2005،  وقف أردوغان فى مدينة دياربكر ذات الأغلبية الكردية، ليعلن إلتزامه بحل المسألة الكردية، معترفا بالوقت نفسه بأخطاء الحكومات التركية السابقة فى التعامل مع الأزمة، مشددا على أنه سيجد حلا لهذه المشكلة، بمزيد من الديمقراطية،وحقوق المواطنة، وبالمزيد من الثروة !

خطاب كان جريئا فى وقته، خاصة أن أردوغان خالف بكلماته عقيدة الدولة التركية فى التعامل مع القضية الكردية، نجح أردوغان بتلك الكلمات فى الصعود للسلطة والبقاء بها  فى ظل رغبة شعبية فى عملية سلام شاملة مع الكرد، وهو ما يدل على قوة القضية الكردية و قدرتها على التأثير فى المشهد السياسي التركي وهو ما ظهر جليا فى انتخابات بلدية اسطنبول الأخيرة.

قوة القضية الكردية وتأثيرها جعلها محور أحاديث أحمد داوود اوغلو رئيس الوزراء التركي السابق والمعارض الشرس الحالي لسياسات أردوغان، حيث يصف أوغلو الفترة من يونيو لنوفمبر 2015 بأنها الأخطر فى تاريخ تركيا منذ تأسيسها، وهى تلك الفترة التى صعد فيها حزب الشعوب الديمقراطية بعد نجاحه فى كسر العتبة الانتخابية ودخول البرلمان لأول مرة قبل أن يقرر أردوغان حل البرلمان، واعتقال قيادات الحزب بتهمة الارهاب.

لو كان أردوغان جادا فى حماية نفسه من مصير مظلم ينتظره، وحماية تركيا من مستقبل مجهول يهددها، فليس عليه سوى الذهاب بطائرته إلى جزيرة إيمرالي حيث يقيم الزعيم الكردى عبد الله أوجلان فى سجنه الانفرادى منذ 20عاما.

لن يجد أردوغان حليفا ومنقذا أفضل من السيد عبد الله أوجلان، ذلك الرجل الذى سبق وأعلن قدرته على حل الخلاف التركي الكردي خلال أسبوع فقط.

يستطيع أوجلان أن يعيد لأردوغان قوته وشعبيته من خلال قيادة عملية السلام بين تركيا والكرد سواء داخل تركيا أو بسوريا والعراق بصورة قد تحدث إنقلابا فى المشهد التركي الداخلى بل والخارجي أيضا.

ليس على أردوغان سوى إصدار قرار بالعفو الفورى عن أوجلان،وتعيينه مستشارا للرئاسة يتولى مهام القضية الكردية، مع الإفراج عن صلاح الدين ديمرتاش زعيم حزب الشعوب وقيادات حزبه والسماح لهم بالعمل السياسي دون قيود.

القضية الكردية هى محور السياسة التركية، والمؤشر الحقيقي على قوة أى نظام حاكم ومستقبله، وحاليا الكرد وحدهم يملكون إنقاذ رقبة أردوغان مما يحاك له، ومما ينتظره من مستقبل يعلوه السواد، فهل ينقذ أردوغان نفسه من نفسه، هل يفعل أردوغان ما سيفعله خليفته المرتقب؟ أم يستمر فى حماقاته، ويمضى لطريق نهايته الذى دنت خطوطه.. الأيام وحدها كفيلة بالرد على هذه التساؤلات ..