قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

من تابع الزيارة المهمة التي قام بها مؤخراً الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى دولة الامارات يخرج باستنتاجات عدة ذات دلالة أولها أن العلاقات الشخصية القوية بين صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة والرئيس الروسي باتت أكثر قوة ومتانة واكتسبت بمرور السنوات وتكرار الزيارات ثقة عميقة باتت تنعكس على عمق التعاون والشراكة الاستراتيجية بين البلدين، حيث يدرك الجميع أن العلاقات الشخصية بين القادة تمثل إضافة نوعية قوية لأي علاقات بين الدول، باعتبار أن التفاهم وتلاقي وجهات النظر والرؤى تمثل محاور ضرورية لازمة ترتكز عليها العلاقات. وثاني هذه الدلالات ما توحي به الأجواء الاحتفالية والترحيب الرسمي الكبير بالضيف الروسي، حيث كان واضحاً أن القيادة الإماراتية تنظر للعلاقات مع روسيا الاتحادية نظرة استثنائية تليق بالرهان الاستراتيجي الاماراتي الكبير على الشراكة الاستراتيجية القائمة مع دول كبرى بحجم روسيا في تحقيق تطلعات وطموحات الامارات، في المجالات الاقتصادية والاستثمارية فضلاً عن تحقيق الأمن والاستقرار الإقليمي، انطلاقاً من مساحة تفاهم كبيرة وواضحة ورؤية مشتركة تجمع البلدين حول أهمية مكافحة التطرف والإرهاب والتأثير الحيوي لذلك في الإسراع باستعادة الأمن في بعض البلاد العربية التي تشهد فوضى واضطرابات من عام 2011.

الرئيس بوتين من جانبه زعيم يمتلك رؤية استراتيجية واعية لدور بلاده في القرن الحادي والعشرين، ويستطيع بناء جسور الثقة مع القادة والزعماء الذين يراهم قادرين على قيادة التغيير والحفاظ على الأمن والاستقرار، ويدرك تماماً المكانة المتنامية لدولة الامارات ودورها الاستراتيجي الحيوي، كلاعب إقليمي مؤثر بما يمتلك من أوراق تأثير وقوة صاعدة في منطقة الشرق الأوسط، لذا يبدو واضحاً حرص الكرملين على تعميق علاقات الشراكة الاستراتيجية التي تم التوصل إليها خلال الزيارة التاريخية التي قام بها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان إلى روسيا في يونيو عام 2018.

روسيا التي كان الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما قد وصفها بأنها "قوة إقليمية"، تمضي بثقة كبيرة على درب استعادة مناطق السيطرة والنفوذ التي كان يتمتع بها الاتحاد السوفيتي السابق، باعتبارها وريثاُ شرعياً، بل وتضم إلى تلك المناطق مساحات ظلت لعقود مضت تحسب تقليدياً ضمن دوائر النفوذ التقليدية للولايات المتحدة الأمريكية، فلم يعد من السهل التعامل مع أزمات شرق أوسطية معقدة كالأزمة السورية بمعزل عن الدور الروسي، الذي يمسك بزمام المبادرة في هذه الأزمة منذ اندلاعها في عام 2011، ويحقق نجاحات سواء بفعل دوره العسكري والتخطيطي أو استغلالاً لأخطاء وثغرات السياسة الأمريكية المضطربة حيال سوريا بشكل خاص.

بالإضافة لما سبق، فإن ثمة عوامل كثيرة باتت تصب في اتجاه تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين الامارات وروسيا، أولها تقارب رؤى وتصورات البلدين للأمن والاستقرار الإقليمي والعالمي، فالبلدين تمتلكان طموحات تنموية كبيرة ولديهما تطلعات واعدة في القرن الحادي والعشرين، ويمتلكان قيادتين تفكران بشكل دائم في استغلال الفرص وتحويل التحديات إلى فرص تحقق مصالح بلديهما كل على حدة بطبيعة الحال، وبالتالي يبدو التوافق الرسمي أرضية خصية مشتركة. وثاني هذه العوامل أن روسيا تمثل هامش مناورة دبلوماسي وسياسي مهم يوفر حرية الحركة للسياسة الخارجية الإماراتية التي تؤكد دائماً على رغبتها في الانفتاح على جميع دول العالم وتبادل المنافع والمصالح المشتركة مع القوى الكبرى جميعها، ومن هنا نجد أن للإمارات علاقات استراتيجية قوية مع اليابان وكوريا الجنوبية والصين وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وجميع الاقتصادات الصاعدة، ولا تدخر الدولة أي فرصة للسعي لتحقيق مصالحها وخططها التنموية الطموحة. وثالثها أن الامارات وروسيا تمتلكان قاعدة مصالح مشتركة كبيرة، وهناك مجالات حيوية واعدة لذلك التعاون منها إطلاق الأقمار الاصطناعية المخصصة للاتصالات، ونقل المعلومات، والاستشعار عن بعد، وكذلك نقل الخبرة الروسية في مجال التنقيب عن الغاز، وتعزيز الاستثمارات، والتبادل التجاري وغير ذلك.

ثمة نقطة أخرى مهمة في الشراكة الاستراتيجية الإماراتية ـ الروسية وهي أن روسيا لا تطرح نفسها بديلاً لعلاقات التحالف التقليدية القائمة بين الامارات والولايات المتحدة، بل يمكن القول إن موسكو، وبذكاء شديد، تتفادى تماماً تحدي النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط عموماً ولا تتطرق من قريب أو بعيد إلى أي خطط تشير إلى استغلال أحاديث الرئيس ترامب المتكررة عن رغبته في الحد من الدور الأمريكي في هذا المنطقة. كما أن يجب الانتباه في المقابل إلى أن العلاقات الاستراتيجية الإماراتية الامريكية قوية ومتنامية بدرجة يصعب معها الحديث عن فرضية إحلال وتبديل أو غير ذلك من معادلات صفرية لم تعد العلاقات الدولية في القرن الحادي والعشرين ساحة أو مجال لها، بل باتت التعددية والتنوع والسعي وراء المصالح أينما وجدت بعيداً عن الأيديولوجيات والقوالب النمطية الجامدة للعلاقات بين الدول هو السمة الأبرز للمرحلة الراهنة.