قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

مع بداية الموسم الثقافي الجديد مطلع الخريف الحالي، شرع مسرحيون وفنانون في شنّ حملة تشهير ضدّ المخرج الكبير فاضل الجعايبي، ملفقين له تهما لا تحصى ولا تعد، ومُنتقصين من دوره الهام في الحركة المسرحية التونسية التي كان فاعلا أساسيا فيها منذ الستينات من القرن الماضي وحتى يوم الناس هذا. فقد عمل في فرقة الكاف في بداية انبعاثها في أواخر الستينات من القرن الماضي. وفي مطلع السبعينات، انتقل إلى مدينة قفصة الجنوبية ليخوض تجارب مسرحية طلائعية مع فنانين بارزين من أمثال رجاء فرحات، وفاضل الجزيري، ورؤوف بن عمر، وجليلة بكار. وفي منتصف السبعينات، عاد إلى العاصمة ليؤسس مع محمد ادريس، وفاضل الجزيري، وجليلة بكار، والحبيب المسروقي فرقة"المسرح الجديد" التي قدمت مسرحيات لاقت خلال الثمانينات ومطلع التسعينات، نجاحا جماهيريا منقطع النظير مثل "العرس"، و"غسالة النوادر"، و" العوادة"، و"عرب".

وخلال العقود الثلاثة الماضية، أسس فاضل الجعايبي فرقته الخاصة ليقدم جملة من المسرحيات التي تعالج قضايا سياسية واجتماعية وثقافية عرفتها تونس خلال فترة نظام بن علي، وخلال الفترة التي تلتها والتي سميت ب"فترة الانتقال الديمقراطي" وما تميزت به من عنف، ومن فوضى، ومن قلاقل واضطرابات باتت تهدد المجتمع التونسي بالتفكك والتمزق الطبقي. وقد عرضت جل المسرحيات التي أخرجها فاضل الجعايبي لا في تونس فقط، بل في العديد من البلدان العربية والأوروبية ليتوج في النهاية كأهم مخرج مسرحي تونسي بعد علي بن عياد الذي توفي بالسكتة القلبية عام1972.

ولم يكن فاضل الجعايبي هو الأول الذي يتعرض لحملات تشويه وتشهير. فقد سبقه إلى ذلك فنانون ومبدعون آخرون. وكان الفنان محمد ادريس الذي كان مديرا للمسرح الوطني أحد هؤلاء. حدث ذلك بعد سقوط نظام بن علي في الرابع عشر من جانفي 2011. فقد هاجمه مسرحيون وفنانون في مكتبه، وقاموا بتعنيفه وشتمه باعتباره من "أزلام" النظام المنهار. وبسبب تلك الهجمة الشرسة والبدائية، عاش محمد ادريس أزمة نفسية حادة كادت تؤدي به إلى الانهيار العصبي. وقام محمد المنصف المرزوقي خلال فترة رئاسته المؤقته بإصدار ما سماه ب"الكتاب الأسود" متضمنا أسماء فنانين وكتاب وشعراء باعتبارهم من أنصار نظام بن علي. ووصف أحد القياديين البارزين في حركة النهضة جماعة "تحت السور" الذين لعبوا دورا رياديا في تحديث الثقافة التونسية في الثلاثينات من القرن الماضي ب "الكحوليين"، وب "الزنادقة" مطالبا بإزالة نصوصهم من الكتب المدرسية. ولم ينجو الطاهر الحداد الذي ناصر حرية المرأة في الثلاثينات من القرن الماضي من خلال كتابه "امرأتنا في الشريعة والمجتمع" من حملات التشهير. فقد قام سلفيون متطرفون بتخريب التمثال الذي أقيم له في مسقط رأسه بالجنوب التونسي.

وكان الزعيم الوطني الكبير الحبيب بورقيبة ولا يزال ضحية حملات التشويه والتشهير من قبل أحزاب ومنظمات. ومؤخرا ازدادت هذه الحملات حدة وشراسة لينعت ب"الخائن"، وب "عميل فرنسا" من قبل من درسوا في المدارس التي بناها في القرى وفي المداشر النائية التي تكاد تكون مقطوعة عن العالم، وفي خطاب أداء اليمين، لم يكلف قيس سعيد الرئيس الجديد للجمهورية، نفسه مجرد ذكر اسمه هو الذي أمضى نصف عمره في السجون والمنافي من أجل استقلال تونس. ومع استقواء الحركات السلفية المتطرفة بعد الانتخابات التشريعية الأخيرة، سوف تزداد حملات التشهير والتشويه اشتعالا لتستهدف المزيد من الرموز التاريخية في المجالات السياسية والثقافية والفكرية والفنية. وما أظن أن مثل هذا الأمر عفوي، بل هو مخطط له من قبل أحزاب ومنظمات ترغب في تزوير تاريخ تونس، وتخريب ذاكرتها لكي يسهل تركيع شعبها، وتحويله إلى قطيع يساق ذليلا ومطيعا إلى كوارث ومصائب قاتلة.