لا شك أن تصويت مجلس النواب الأمريكي بالموافقة على لائحة الاتهام ضد الرئيس دونالد ترامب واحالها الي مجلس الشيوخ لاستكمال الاجراءات الدستورية المتعلقة بمحاكمته وعزله من الرئاسة في اتهامات تتعلق باستخدام سلطاته لأهداف ومصالح شخصية وعرقلة عمل الكونجرس، هو تصويت تاريخي بغض النظر عن الأهداف والنتائج المتوقعة ومآلات هذه الخطوة.

يقول الديمقراطيون الذي يمثلون أغلبية في مجلس النواب الأمريكي أنهم يمتلكون أدلة موثقة على أن الرئيس ترامب اخترق القوانين وحرض الحكومة الأوكرانية على التحقيق مع خصمه المرشح الديمقراطي بايدن بتهم تتعلق بالفساد التجاري مقابل منح أوكرانيا مساعدات أمريكية كبيرة، ولكن الرئيس ترامب ينفي أن يكون لهذه الادعاءات أي قيمة حقيقية ويستشهد بتأكيدات المسؤولين الأوكرانيين في هذا الشأن، ولكن هذا السجال لا ينفي أنه يتعرض لموقف حرج على الأقل بسبب كونه ثالث رئيس أمريكي يواجه رسمياً المساءلة باتهامات سلطاته لتحقيق مصالح سياسية شخصية.

ومن خلال قراءة بسيطة لمعدلات التصويت في مجلس النواب على التهمتين الموجهتين للرئيس ترامب يتضح أن المجلس قد صوت بأغلبية 230 صوتاً مقابل 197 وامتناع نائب واحد عن التصويت، على توجيه تهمة استغلال السلطة لتحقيق مصالح شخصية سياسية، كما صوت المجلس بأغلبية 229 صوتاً مقابل 198 وامتناع نائب واحد عن التصويت على التهمة الثانية المتعلقة بعرقلة عمل الكونجرس، ما يعني أن نسب التصويت واحدة تقريباً في التهمتين، وأن التصويت قد جاء بالأساس على اعتبارات حزبية بحتة، ولعب فيه التحزب الدور الأبرز، وهذا ليس عيباً فهي بالأساس معركة سياسية حزبية يحاول كل طرف فيها إدانة الطرف الآخر أو إفشال مخططه، ولكن هذا التصويت يعني أن فرص تمرير هذه الاتهامات في مجلس الشيوخ تكاد تكون معدومة، ولكن هذا لا ينفي أن نتائج تصويت الجمهوريين في "الشيوخ" ستكون أحد الأسلحة الدعائية المستخدمة الانتخابات المقبلة لعباً على وتر الاتهامات بالفساد والمصالح الوطنية وغير ذلك.

حسابياً، وبالأرقام، من الصعب أن يصوت مجلس الشيوخ الأمريكي بأغلبية الثلثين على عزل الرئيس ترامب، ليس بسبب سيطرة الجمهوريين فقط على المجلس، ولكن أيضاً لأن التصويت يعني انهيار فرص الحزب الجمهوري في المنافسة على منصب الرئاسة في الانتخابات المقبلة، بل ربما تمتد ارتدادات زلزال أي تصويت جمهوري إلى عمليات انتخابية عديدة مقبلة، سواء على مستوى الكونجرس أو الرئاسة.

الجمهوريون في مجلس الشيوخ لا يخفون منذ البداية عزمهم تبرئة الرئيس ترامب من اتهامات الديمقراطيين، كونهم يهيمنون على "الشيوخ" خلافاً لمجلس النواب، بأغلبية 53 مقابل 47 سيناتور، وهذا يعني، حسابياً أن يصوت نحو عشرين سيناتور جمهوري لمصلحة إدانة ترامب لتحقيق أغلبية الثلثين، وهذا أمر مستبعد تماماً، نظرياً على الأقل.

الحقيقة أيضاً أنه رغم الحرج السياسي الناجم عن إجراءات الديمقراطيين، فإن الحديث حول مسأله عزل الرئيس ترامب يبدو بعيداً تماماً عن الواقعية، وهذا الاستناج ليس مفاجئاً لأحد من المراقبين بطبيعة الحال بالنظر إلى التركيبة السياسية الحالية لمجلسي الكونجرس، والتي لا تمكن الديمقراطيين من تحقيق حلمهم في هذا الشأن، وهم يدركون ذلك أيضاً بالتأكيد، ولكنهم أرادوا القاء أكبر قدر من الاساءات على شخص خصمهم الجمهوري اللدود من أجل إضعاف فرصه في الفوز بولاية رئاسة ثانية، ويشجعهم على ذلك أن إجراءات "العزل" تأتي في توقيت حرج للغاية بالنسبة للرئيس، فهي ليست في بداية ولايته ولا حتى في عامه الرئاسي الثاني أو الثالث، بل تأتي قبل نحو عشرة أشهر فقط من استحقاق الانتخابات الرئاسية المقررة في نوفمبر المقبل.

الواضح أن الرئيس ترامب يبدو متاثراً بقرار مجلس النواب الأمريكي بشأن بدء إجراءات عزله، لذا ليس غريباً أن تأتي ردود أفعاله على قرار مجلس النواب الأمريكي غاضبة للغاية، حيث ندد بالتصويت واتهم خصومه الديمقراطيين بأن الحقد والغضب والحسد يسيطر على قراراتهم، فهو يدرك جيداً أنه في مأزق سياسي بسبب عامل التوقيت، خصوصاً ان هذا الاجراء يتزامن مع أمور أخرى ترتبط تقليدياً بالعام الأخير في الولاية الرئاسية لأي رئيس أمريكي، والذي يوصف فيه الرئيس عادة بـ" البطة العرجاء"، حيث يميل للتركيز على السباق الانتخابي والقضايا الداخلية ويبتعد قليلاً عن القضايا الخارجية بكل تعقيداتها وتشابكاتها، والرئيس ترامب لا يمتلك هذه الرفاهية، أي رفاهية الابتعاد عن القضايا الخارجية، في ظل وجود العديد من الملفات الخارجية الساخنة، والمفتوحة على مصراعيها، ولم يظهر في الأفق مؤشرات كبيرة حول حسمها، ومنها الملف الإيراني وموضوع "صفقة القرن" والصراع التجاري مع الصين، وغير ذلك من قضايا حساسة يمكن أن تسبب ازعاجاً للرئيس وفريقه خلال الأشهر المقبلة.

كثيرون في منطقتنا والعالم يحلمون، بل يتمنون عزل الرئيس ترامب، وأن تمضي إجراءات الديمقراطيين كما يوافق هواهم، ولكن الواقع السياسي الأمريكي لا يشير لذلك على الاطلاق، ويبقى لهؤلاء الحالمين حقيقة أن الرئيس ترامب قد ينشغل لبعض الوقت بموضوع عزله حتى ينتهي مجلس الشيوخ من التصويت ويغلق هذا الملف الأبرز الآن في الحياة السياسية الأمريكية.