قد تتبدّل ملامح القيادة في زمن فيروس كورونا لكن موازين التنافس بين الدول مستمرّة وأولويّات البقاء في السلطة مستعِّرة. بعض الحكومات يضع نفسه تحت المِجهر يومياً لمُخاطبة قلق الناس ولخطب ود الناخب، فيما هناك حكومات تؤمن بأن القرارات المصيرية من مسؤوليتها حصراً باعتبارها ولي أمر الشعب في بلادها بلا مساءلة. هناك قادة يغامرون بإجراءات الإغلاق التام وهم يدركون انهم يُخاطرون باقتصاد البلاد، وربما بمصير مشاريعهم الدولية والشخصية.

وهناك من القادة مَن أسرع الى توطيد سلطته وترسيخ نفسه في السلطة خوفاً من المحاسبة. التقاء العالم كلّه على مواجهة عدو واحد لم يُسفر عن خطة مُتماسكة جديدة نوعياً تشير الى تغيير جذري في علاقات الدول. هناك تنسيق على الصعيد العالمي بمستوى لا سابقة له لربما، وهو مهم بلا شك.

ولكن، ليس هناك أي مؤشر على نموذج جديد من العلاقة بين السلطة والمواطن في الدول التي يُهيمن عليها السياسيون والأحزاب والجشع والفساد على نسق العراق أو لبنان أو ليبيا مثلاً، ولا هناك انقباض في شهيّة الحروب مثل تلك في اليمن أو سوريا. يوجد نوع من النقص في القيادة العالمية المطلوبة سيما من الدول الكبرى. بعض القادة ينصّب حصراً على الداخل في بلاده من منطلق قومي ووطني باعتبار ذلك مسؤوليته الأولى متجاهلاً أهمية القيادة على الصعيد العالمي في وقت كهذا. البعض الآخر من هؤلاء القادة يرى في كوفيد-19 فرصة لإعادة التموضع على الخريطة العالمية، اقتصادياً واستراتيجياً وتنافسياً.


الولايات المتحدة والصين تحتلان المرتبة الأولى في الاقتصاد العالمي كما في الاختلاف الجذري بين نموذجيّ الحكم في هاتين الدولتين المتنافستين على المستقبل.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض في 04 أبريل 2020

كلاهما وقع ضحية فيروس كورونا في ظروف مختلفة عن الآخر، وهما الآن وسط تبادل الاتهامات وتفاقم الشكوك وانحسار الثقة. الجدير بالمراقبة هو، أولاً، ان كانت أميركا والصين وحدهما من سيتعافى اقتصادياً من آثار وتداعيات هذا الوباء لأنهما الدولتين الأولى (الولايات المتحدة) والثانية (الصين) في الاقتصاد العالمي. وثانياً، مراقبة المعركة بين النظامين كنموذجين للحكم وسط تنافسٍ شرس على قيادة العالم. وثالثاً، آثار كيفية تعاطي بكين مع فيروس كورونا على طموحات الصين العالمية، ابتداءً باندلاع الفيروس من أراضيها، انتهاءً بإسراعها الى إعادة فتح أسواق المأكولات الشعبية المتّهمة بأنها مصدر الوباء، فيما كان الوباء يتفشى في بقية العالم. والسؤال الأول هو: هل ستنسى البشرية ما حدث بعد احتواء الوباء؟ أم انها لن تتناسى لأن ما حدث لا يُنتسى؟

سفير الصين لدى لبنان، وانغ كيجيان، كتب مُحتجّاً على مقال الأسبوع الماضي سيما في الإشارة الى المآخذ والتُهم الموجّهة الى الصين "والتي لا أساس لها من الصحة"، حسب قوله. احتج أيضاً على الفقرة التي أشارت الى الولايات المتحدة ونصّت على "أن تعافيها وقيادتها للخروج من كابوس وباء كورونا إنما هو السبيل الى التعافي العالمي"... ثم أضاف، "بعض الدول المحدّدة وبعض السياسيين لا شغل أفضل لديهم سوى تشويه سمعة الآخرين، الانحراف عن المسؤولية، وإيجاد كبش الفداء. ان هذا غير أخلاقي وغير مسؤول. ولن يساعد ذلك في إيقاف الوباء في بلادهم، ولا في دعم الجهود الدولية المشتركة ضده". واختتم السفير وانغ بقوله "أريد أن أشدّد على أنه ليس في وسع أية دولة واحدة مواجهة الوباء بمفردها. انه وقت التضامن والتعاون وليس وقت الانقسام والانفصال".

واضحٌ ان الصين غاضبة من تحميلها أية مسؤولية وهي مستاءة مما تعتبره حملة تشويه غربية ضدها في الوقت الذي تتراكم التهم عليها بأنها ضلّلت بالمعلومات منذ بداية الفيروس بقرار من الحزب الشيوعي الحاكم عمداً. واضح أيضاً انها تنظر الى معركتها من منظور التنافس مع الولايات المتحدة. إنما من المفيد جداً تشديد السفير الصيني على ضرورة التضامن والتعاون لأن هذا الوباء عالمي بامتياز.

أصوات عديدة ترتفع في الولايات المتحدة وبريطانيا لتتّهم الحزب الشيوعي الحاكم بأنه يضع بقاءه في السلطة فوق كل شيء، وانه تلاعب بالأرقام بما كلّف الأرواح في العالم أجمع. أعضاء في الكونغرس الأميركي من الجمهوريّين تحرّكوا هذا الأسبوع نحو مشروع قرار يشرّع فرض العقوبات على أي مسؤول خارج الولايات المتحدة يتعمّد حجب أو تشويه المعلومات وأطلقوا على مشروع القانون اسم الطبيب الصيني الذي عاقبته الصين في البدء لكشفه عن فيروس كورونا ثم أثنت عليه قبيل وفاته بالفيروس – لي وين ليانغ.

فريق طبي يقوم بنقل مصاب بفيروس كورونا في فرنسا

لمعركة التنافسية التجارية بين العملاقين، أميركا والصين، لها خريطة طريقها من وجهة نظر كل من الطرفين بهدف الفوز بها، وبالتالي بالقيادة العالمية. الولايات المتحدة مصرّة على عدم السماح للصين أن تتسلّق الى مرتبة المساواة معها، وهي عازمة على الانتصار في الحرب بين الديموقراطية في أميركا وبين الشيوعية في الصين. والعكس صحيح، ذلك ان الصين بدورها تعتقد ان الحزب الشيوعي الحاكم فَهِم جيداً قيمة الرأسمالية وأدخلها الى نظامه ليُنافس بها الولايات المتحدة ذات النظام الديموقراطي المعادي للنظام الشيوعي مبدئياً وعملياً. فالحرب التنافسية ليست فقط تجارية. انها حرب نموذج الحكم وحرب القيادة.

القاسم المشترك بين قادة الدول الديموقراطية وقادة الدولة الاوتقراطية هو ان القائد في كل منهما يتمسّك بالسلطة – اما عبر الانتخابات أو عبر تشريعات دستورية جديدة تضمن الاستمرار في الحكم. الفارق هو عنصر الرأي العام والناخب والناس الذي يتحكّم باللعبة الديموقراطية ويغيب عن اللعبة الأوتوقراطية.

كثير من القيادات في العالم تحاول التأثير في الانتخابات الرئاسية الأميركية بصورة أو بأخرى، بل بعضها يبني سياساته اما على أساس المساهمة المباشرة بالتدخل في الانتخابات، والبعض عبر سياسات من شأنها التأثير على تموضع المرشح الأميركي للرئاسة. ودونالد ترامب يتصدّر هذه الاعتبارات.

الجمهورية الإسلامية الإيرانية منصبَّة على مكافحة فيروس كورونا الذي تفشّى فيها، حسب تقرير لمجلّة فورين بوليسي، بسبب استمرار رحلات جوية مع الصين عبر طيران ماهان – الأمر الذي كشفه عضو البرلمان الإيراني باهرام بارسايي – وذلك حرصاً على العلاقة المميزة مع الصين التي ما زالت تستورد النفط الإيراني ولها علاقات استراتيجية مع طهران.

في الآونة الأخيرة، برزت تحركات داخل القيادات الإيرانية أفادت بأن هناك رغبة بالتصدّي للولايات المتحدة وللضغط على الدول الأوروبية بهدف التذكير بأن النظام في طهران لم يضعف وهو حي على الساحة الدولية.

تموضع طهران في زمن كورونا وما يليه يبقى مرتكزاً الى العلاقات مع الصين لأسباب نفطية وأميركية، وكذلك مع روسيا إنما لأسباب ميدانية سورية بالدرجة الأولى. القيادة الإيرانية تنظر الى نفسها في إطار المعسكرينِ وترى نفسها بالتأكيد في معسكر الصين ليس فقط لأن الولايات المتحدة تفرض العقوبات عليها وإنما أيضاً لأن الصين تشبهها. ولذلك، لن ينحسر التوتر الأميركي – الإيراني جذريّاً لكنه قد يُرطَّب مؤقّتاً نتيجة تركيز واشنطن وطهران بالدرجة الأولى على وباء كورونا. الاستثناء الوحيد في مرحلة التهادنيّة المفروضة هو أن تستهدف إيران أو أذرع لها قوات أميركية – عندئذ لن يسكت دونالد ترامب، وسيردُّ كما توعّد.

الرهان على تعافي الصين اقتصادياً ليس في غير محله لأن الصين تستفيد اليوم من أسعار النفط المنخفضة وهي الأولى من الدول التي تتغلّب على الوباء بصورة براغماتية صينية محضة لأن ما تريده الصين هو أن تكون سبّاقة في تعافي اقتصادها من الوباء.

والرهان على تعافي الولايات المتّحدة هو أيضاً رهان رابح على الأرجح، أقلّه بسبب حجم السيولة الضخم الذي ينتظر فُرص الاستثمار في عهد ما بعد كوفيد-19، مع ان عنصر البطالة سيؤثر في عمق الاقتصاد الأميركي بصورة مجهولة في الوقت الحاضر.

لعل أميركا والصين وحدهما مرشّحتان للتعافي ما بعد احتواء فيروس كورونا، يليهما بعض الدول الخليجية العربية التي اتخذت الإجراءات الصائبة من بينها السعودية والإمارات. فالدول الأوروبية ستعاني كثيراً وسيواجه اقتصادها صعوبات كبرى. كذلك روسيا التي قرّر رئيسها فلاديمير بوتين فرض الإغلاق التام في كامل البلاد لمدة شهر بالرغم من اعتراض البعض خوفاً على تدمير الاقتصاد الروسي بسبب هذا الإجراء، سيما وأن أزمة جدّيّة كانت تضرب الاقتصاد قبل إجراءات الإغلاق التام بسبب انخفاض أسعار النفط وقيمة العملة الوطنية.

ما يلفت اليه الخبراء الروس هو ان عدد العاطلين عن العمل في روسيا سيبلغ 8 مليون نسمة مع نهاية حزيران (يونيو) وان بوتين لم يعلن حال الطوارئ لأن الخزينة الروسية غير قادرة على تحمّل المسؤولية المالية التي تترتّب على إعلان الدولة حال الطوارئ – أي انه سيكون على الدولة أن تدفع النفقات.

وضع روسيا وأوروبا يبقى أفضل بكثير من أوضاع الدول الفقيرة وتلك غير القادرة على امتصاص الصدمة ما لم تتقدم اليها الدول القادرة بالقروض والمساعدات والهبات لمواجهة افرازات وباء كورونا. هنا يدخل عنصر استنهاض قيادات رؤيويّة لا تتقوقع في المعادلات التقليدية للقيادة الوطنية والعالمية. هنا يكمن الاختبار لنسيج القيادة الضرورية في زمن كورونا.