حسونة المصباحي

نعلم أن العرب فاخروا ولا يزالون يفاخرون بأن لهم فضلا كبيرا على الغرب لأنهم نقوا إليه أصول الفلسفة اليونانية، وعرّفوا برمزها الكبير، ارسطو، في فترة نهوضه وخروجه من عصور الظلمات والانحطاط. وهذه حقيقة لا يمكن التشكيك فيها، أو نكرانها. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو التالي: لماذا استفاد الغربيون من المجهود الكبير الذي بذله العرب بهدف احياء الفلسفة اليونانية، في حين لم يجنوا هم من ذلك ما يمكن أن يساعدهم على تطوير الفكر الفلسفي، وترسيخه في تراثهم وفي ثقافتهم وفي مناهجهم التربوية؟
الأسباب مختلفة ومتعددة. لكن ما يتوجب قوله هو أن محاربة الفلسفة، وتهمشيها واهمالها وكل هذا لا يعود إلى الحكام العرب الذين كانوا يضيقون بكل ما يخلخل اليقينيات والمسلمات، ويهدد نفوذهم وسلطتهم القائمة على الطغيان والاستبداد، وإنما يعود أيضا إلى الفقهاء والبعض من المفكرين. فقد تصدى الامام الغزالي لفلاسفة عصره، ونعتهم ب"الضالين"، وب "المتهافتين". وانتقد تقي الدين بن تيمية بشدة ابن رشد، وابن سينا، وكل من كان يظهر ميلا إلى الفلسفة اليونانية، بل ذهب به التشدد إلى حد تكفير هؤلاء لأنهم تجرأوا على "المس من المقدس"، والتشكيك في مصادره، وفي أصوله. حتى ابن خلدون المشهود له بالرصانة والتعقل، لم يرحم الفلاسفة لأنهم يعتمدون بحسب رأيه على "المجردات"، وليس على "المحسوسات. لذلك لم يتردد في وصفهم ب"منتحلي العلوم".
وفي فترة النهضة التي برزت للوجود في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، واستمرت حتى العقود الأولى من القرن العشرين، سعى بعض المفكرين العرب إلى احياء الفكر الفلسفي. وفي كتابه "مستقبل الثقافة في مصر"، طالب د. طه حسن بضرورة تشريك العرب في الإرث الفلسفي اليوناني، إلاّ أن رجال الدين تصدوا له، وحاكموه قضائيا. وهذا ما فعلوه مع جميع من نحوا منحاه.

وخلال العقود الأخيرة من القرن العشرين، كثر الحديث عن ضرورة بعث حركة تعيد إحياء المشروع الفلسفي التنويري الذي جاءت به حركة النهضة. وتكون هذه الحركة قادرة على مواجهة التيّار السلفي الذي اكتسح العالم العربي، وتغلغل في الأوساط الشعبية، وأيضا في النقابات المهنية، وفي الجمعيّات والنوادي الثقافية والرياضيّة. وبالفعل برز في هذا البلد العربي أو ذاك مثقفون متحمّسون لهذا المشروع التنويري الجديد. وقد سعى هؤلاء جاهدين لفرض وجودهم خصوصا بعد أن استفحلت ظاهرة العنف الأصولي، وغدت تهدّد لا العالم العربي والإسلامي فقط، وإنما العالم برمّته، منذرة بتقويض كلّ ما يمكن أن يساعد الثقافة العربية على الخروج من حالة الانغلاق والتزمت التي أصبحت تعيشها منذ فشل المشروع التنويري. غير أن تلك الجهود فشلت فشلا ذريعا. إذ ظلّ من أصبحوا يسمّون ب "التنويريين الجدد" فئة معزولة عن الواقع والمجتمع، وظلّت أفكارهم وأطروحاتهم منحصرة داخل دوائر مغلقة. فلا من مستجيب لها، ولا من مُدافع عنها مثلما هو الحال بالنسبة للأفكار الظلاميّة التي يروّجها دعاة التطرّف الأصولي ومنظّروه.

بالإضافة إلى كل هذا، لم يتسلح هؤلاء بالشجاعة التي تحتمها المعركة الفكرية ضد الظلامية والتزمت. لذلك لم يجرؤوا على خلخلة أسس الفكر الأصولي، ودحض بطلانه، وفضح تضليله للناس. ولعل التهديدات التي يطلقها المتطرفون والمتشددون ضدّ كلّ من ينتقدهم، هي التي تقف حائلا دون ذلك. ولكن علينا أن ندرك أن هذا الفكر الأصولي المتغلغل في المجتمعات العربية منذ عصور الانحطاط، والذي ازداد عنفا وانتشارا في الزمن الراهن، لا يمكن بأيّ حال من الأحوال أن تخفّ حدته، وتتقلص تأثيراته الخطيرة إلا بالنقد الجذري له، وبتعرية خوائه، وانقطاعه المطلق عن الواقع، وعن حضارة العصر، ومقتضياته. وكل هذا يتطلب من النخب العربية الشجاعة، والإرادة الحازمة، والتضحية تماما مثلما كان حال النخب الأوروبية في معركتها ضدّ الفكر الأصولي والظلامي. وفي غياب خطاب فكري وفلسفي يقرأ الواقع في تفاصيله، لم تجد الجماهير العريضة غذاء ثقافيا وفكريا يحميها من شرّ الخطاب الرسمي المحنّط الذي تجلده به الأنظمة المستبدة يوميّا غير الخطاب المحنّط الآخر الذي يروّجه الأصوليون والسلفيّون الذين تكاثروا بسبب ما يمكن أن نسميّه ب" الجهل المعمّم".

الجانب الآخر الذي انجر عن بؤس التفكير الفلسفي هو أن الحداثة لم تتمكن رغم الجهود الكبيرة التي بذلت من أن تتجذّرَ في المجتمعات العربية. ويعود ذلك إلى هيمنة الدين في نزعته الأصولية والسلفية على الحياة الاجتماعية والثقافية. وهي هيمنة تكاد تكون في غالب الأحيان مطلقة بحيث لا تترك المجال لأي فكر آخر بأن يشهد الانتشار والرواج. ثم أن هذه الحداثة "داهمت" بحسب تعبير المفكر المغربي د. محمد سبيلا المجتمعات العربية لا لتحررها من ماضيها، وإنما لكي تصبح ذريعة للعودة إليه، والنبش في قبوره المظلمة بحثا عن المزيد من الأوهام والخرافات والأباطيل.