قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

خلافا لما يظنه البعض، لم تقفر بلاد اليونان من الفلسفة والفلاسفة في الأزمنة الحديثة. فقد أنجبت فلاسفة كان لهم تأثير كبير على الفلسفة الأوروبية المعاصرة. لكن بسبب نقدهم للتيارت الفلسفية السائدة مثل الماركسية والوجودية، لم يتمكنوا من الحصول على الشهرة التي كانوا يستحقونها عن جدارة. وبسبب الأزمات السياسية التي عرفتها بلادهم خلال العقود السبعة من القرن العشرين، اختار هؤلاء الإقامة في باريس بحثا عن الهدوء الذي يوفر لهم التركيز والتأمل العميق. وأول هؤلاء هو نيكوس بولانتزاس (1936-1979) الذي اهتم في الدراسات التي أصدرها بالكيفية التي يمكن أن تبنى بها الدولة الاشتراكية والديمقراطية. والثاني هو كورنيليوس كوستارياديس (1922-1997) الذي غادر بلاده في نهاية الحرب الكونية الثانية، أي عندما كانت الحرب الأهلية مشتعلة، ليستقر حتى نهاية حياته في باريس مدرّسا في جامعاتها، ومُشاركا في مختلف الحوارات الفلسفية التي شهدتها على مدى النصف الثاني من القرن العشرين. وكان كوستورياديس من اوائل الفلاسفة الغربيين الذين انتقدوا الستالينية، والانحرافات الخطيرة للماركسية التي حدثت في ظلها، وفي ظلّ الأحزاب الشيوعية الموالية لها، مُشدّدا على أن البيروقراطية هي الآفة التي كانت السبب الأساسي في فشل البناء الاشتراكي في ما كان يسمى بالإتحاد السوفياتي. ومثله، هاجر الى فرنسا، وفي نفس الفترة فيلسوفان آخران كوستاس أكسيلوس1924-2010) وكوستاس بابايونو(1925-1981(. وكل واحد منهما شارك بقوة في الحياة الفكرية والثقافية في باريس، مقدما أفكارا وآراء مفيدة وناجعة حول مختلف القضايا. وفي كتابه :”المنفى وطنا للفكر"،أشار كوستاس اكسيلوس أنه ترك بلاده ليستقر في باريس بعيدا عن "الأفق المنغلق والخانق للبورجوازية اليونانية الكبيرة"، ولليونان البورجوازية، وللحركة الشيوعية أيضا. ولم يكن يبتغي أن "يهرب"، بل كان يرغب في أن يعيش بطريقة أخرى تسمح له بالتفكير الحر كما كان حال الفلاسفة اليونانيين القدماء، بعيدا عن كل أشكال التحجر والدوغمائية. وكان أكسيلوس قد أدرك وهو في سنّ العشرين أن الفكر الشعري الخلاّق كما هو لدى هيراقليطس، ونيتشه،وهيغل،وماركس في سنوات شبابه،وأيضا لدى فرويد، يمكن أن يضيء الطريق أمام الناس،ويفتح بصائرهم،ويغيّر نظرتهم للحياة. ومُلاحقا من قبل الحزب الشيوعي،ومن قبل النظام اليميني الذي كان يحكم اليونان ، عاش اكسيلوس في في باريس "حياة فلسفية جديدة".وفي جميع الدراسات التي نشرها في كبريات المجلات الفرنسية، اهتم بنقد الجمود العقائدي، والبيروقراطية الستالينية، مُنحازا ومدافعا عن الفلاسفة الذين سعوا الى ابتكار رؤية أخرى للماركسية تتماشى مع رغبة الأفراد والجموع في التحرر، وفي فتح آفاق جديدة في التفكير وفي الحياة أمثال هربرت ماركوزه، ولوي ألتسير وجماعة مدرسة فرانكفورت. وفي كتابه:” الأفكار ضد العدمية"، يضيئ بابايونو جوانب مهمة تتصل بالفكر الشمولي اليساري، وبالستالينية تحديدا، والتي كان يسميها "الايديولوجيا الباردة". فعل ذلك في فترة كان فيها نقد الستالينية أمرا يكاد يكون منعدما.وكان بابايونو مرتبطا بعلاقة وثيقة بوالده ستراتيس الذي كان مناضلا اشتراكيا كبيرا، مناصرا لكاوتسكي، عدو لينيبن اللدود، معتبرا أن الاشتراكية لا يمكن أن تبنى على أسس ثابتة ومتينة إلّا في ظل الديمقراطية التي تحترم البنى الاجتماعية، وتتحاشى تغليب واحدة منها على أخرى باسم "ديكتاتورية البروليتاريا".وقد عاش بابايونو حياته في باريس زاهدا، متقشّفا، متفرغا للفكر، والقراءة، ناشرا أفكاره في المقاهي، وفي النوادي، مُتجنبا الاقتراب من المؤسسات الرسمية، ومن الجامعات المنغلقة على نفسها. وكان يحب معاشرة الفنانين والشعراء البوهيميين، مُتقاسما معهم الكأس واللحظات السعيدة في باريس التي تعيش الحياة من دون فرق بين الليل والنهار.وكان الشاعر المكسيكي الكبير اوكتافيو باث من أصدقائه المفضلين.معه كان يحب أن يتحدث عن العلاقة بين الفلسفة والشعر.وقد توفي بابايونو من أن يتمكن من إنهاء الكتاب الذي شغله طويلا، راغبا من خلاله في تقديم قراءة جديدة للماركسية التي شوهتها الستالينية وبيروقراطية الأحزاب الشيوعية.