قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

مرت أمس الذكرى الثانية لرحيل أحد أهم علماء التاريخ ولا أقول بين المسلمين، بل وفي العالم خلال القرن العشرين وحتى وفاته في 30 يونيو 2018، البروفيسور التركي المسلم/ فؤاد سزكين.. واسمح لي عزيزي القارئ.. إن كنت تتوقع مني إفراد مساحة في المقال تكفي لحصر سيرة سزكين وانجازاته.. فأنت كمن يطلب مني بعدها بأن أردد هذا الدعاء: "لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين" هنا.. وأعوذ بالله أن أكون من الظالمين! ولكنني ساكتفي ب "القلادة" التي ستتصدر عنق هذا المقال.

البروفيسور سزكين الذي استقر في ألمانيا بعد التضييق على جهده الأكاديمي من قبل حكومة الانقلاب العسكري في تركيا عام 1960، ونال هناك درجة الاستاذية "بروفيسور" عن أطروحته عن العالم الكيميائي المسلم، وعمل في جامعة غوته بفرانكفورت، وأسس فيها معهد دراسات التاريخ والعلوم الاسلامية والعربية، وأصبح بعدها مديره الفخري. ومن ألمانيا انطلق سزكين على مدى أكثر من نصف قرن نحو انجاز أحد أعظم الأعمال الموسوعية التأريخية في التاريخ البشري.. وهي موسوعة "تاريخ التراث العربي الاسلامي"، الذي اشتغل عليها هو وفريق عمل يتكون من متخصصين ألمان – من بينهم زوجته المستشرقة الألمانية الدكتورة أرسولا سزكين - وأتراك وعرب في المعهد آنف الذكر المستقل والمتجرد أكاديمياً. وحتى ألخص هذا العمل الموسوعي، فقد تمحورت منهجية سزكين وفريقه في الوقوف الفاحص على الكتب الأوروبية وارجاعها إلى أصلها المُنكر رسمياً.. ألا وهو الأصل العربي، وقد استطاع سزكين -رحمه الله- هو وفريقه على مدى أكثر من نصف قرن وحتى قبيل وفاته، أن يقف بنجاح على أكثر من 150000 ألف كتاب، واستطاع هو وفريقه أن يفحصوا بموضوعية ومنهجية أكثر من 40000 كتاب منها، كما واستطاع سزكين أن ينشر تعريفاً بأصولها العربية لما يزيد على 35 ألف كتاب منها (الموسوعة كاملة كٌتبت باللغة الألمانية)، وقد التفتت المملكة العربية السعودية مشكورة (وتوجته فيما بعد بجائزة الملك فيصل نظير مجمل أعماله في خدمة التاريخ الاسلامي والعربي) عبر جامعة الامام إلى هذا الجهد الأكاديمي الجبار، وتكفلت حينها بطباعة أولى أجزائه التي وقعت في قرابة العشر مجلدات. وقد يتساءل أحدهم كيف استطاع سزكين قبل "العصر القوقلي" أن يفك شفرات اللغات المكتوبة بها هذه الكتب من انجليزية ولاتينية وسريانية ووو؟.. والجواب.. بأن سزكين كان يجيد عشرات اللغات منها ما ذكرت وغيرها!
كانت منهجية عمل سزكين وفريقه تتلخص في أن يأتون بالعمل –الكتاب – الأوروبي، ثم يتم تتبع أصوله، ليتم الاكتشاف بعدها بأنه في الأصل لا يعدو كونه سطو فكري عبارة عن عملية ترجمة أزال فيها المترجم الأوروبي اسم المؤلف الأصلي العربي ووضع اسمه! وهذا ما تكرر في جميع هذه الأعمال الأوروبية – التي أبصرت بها أوروبا عصر النهضة بعد قرون مظلمة! – في مختلف المجالات العلمية من علوم البصريات والطب والتشريح والجراحة والهندسة والفلك والزراعة وعلوم البحار والملاحة والطقس.. إلخ كتب "النهضة الأوروبية الكوبي بيست"!
وتأمل إلى مكر ودهاء الغرب هنا، فقد استفاد من عمليات السطو الفكري هذه الأكبر في التاريخ البشري وغير المجرّمة حتى اليوم - إلا من بعض وخزات ضمير أوروبي هنا وهناك! - عبر أولاً أنه أخذ كل علمنا، ثم لمّا انتحله، بنى به قوة نفسية ايحائية بأنه هو أصل ابداعه!، وهذا المستقر كمُسلّمة "دي فاكتو de facto" حتى اليوم في العالم!، ولكن عند ذي البصر والبصيرة.. فهي سرقة على طريقة.. على عينك يا تاجر!.. وبهذا أباحت لهم أخلاقهم ما لم تبح له أخلاقنا من السرقة والانتحال.. وربما لم يسلم من عمليات السطو الفكري والانتحال هذه إلا قلة من علمائنا المسلمين من أمثال ابن سينا وابن رشد والخوارزمي، والسبب ليس في انصاف الغرب لهم هنا بل لأن شهرة هؤلاء وآثارهم العلمية والفلسفية كانت قد جاوزت الآفاق، فاستعصى على الغرب انتحالها!

ولك أن تتساءل عزيزي القارئ، أين العرب والمسلمون من إحداث "عصر نهضة" مماثل، يخرجهم من الظلمات إلى النور اليوم؟ وهم – بحسب ما تزعم الآن أني أزعم! - من أخرجوا أوروبا قبلاً؟ ولن أتشعب في الجواب.. وساقتصر على.. مَن مِن "علماء الدين" المسلمين كان أو سيكون مثل عالم الدين الألماني "مارتن لوثر" الذي قاد حركة الاصلاح الديني في أوروبا، وعبرها كان العبور لعصر "النهضة"؟.. هذا العالم الثائر الذي تجرّد لمصلحة أمته وأوروبا بأكملها.. والذي قضى على التجارة الرابحة جداً حينها في أوروبا.. التجارة بالدين، وصكوك الغفران. مارتن لوثر عندما تقف على سيرته تجده كان عالماً حقيقياً، أي بالمعنى الأكاديمي المستحق "بروفيسوراً".. أما علماؤنا في المقابل فالأغلب كما وصفهم طه حسين: "علماء الدين عندنا يكتفون بكتبهم القديمة، ويحمِّلونها كل شيء فتثقل بهم ويصيبهم العقم والفساد، بينما علماء الدين في الغرب يقرؤون ويتعلمون. فهم علماء بالفعل".. وقد أجريت كلام طه حسين على واقع "علماء الدين" المسلمين اليوم.. في بحث موسع.. لأقف على من منهم قد يستطيع بفهم علمي وتأهيل أكاديمي أن يناقش مثلاً ملحداً عربياً أو غربياً في مسألة "خلق الكون" بلغة علمية عصرية؟ فلم أجد – في مبلغ علمي - سوى عالم دين مغربي، وللأسف مغمور نوعاً ما يدعى البروفيسور/ محمد عمراني حنيشي، وهو متخصص في الفيزياء النظرية والنووية.. أما السواد الأعظم من علماء الدين بيننا اليوم، فعلمياً وأكاديمياً وبحثياً.. "كأنهم خُشُبٌ مُسنّدة"!.. انشغلوا بتفريق المسلمين شيعا، عوضاً عن جمعهم، وبسطحي ما يطرحون من فتاوى ودروس ومواعظ وتلقينها لمريديهم.. والويل كل الويل لمن يحاول من مريديهم أن يرى أبعد منها أو حتى مناقشتها! ولا يختلف هنا في الجانب الآخر، على وزن " قد يجمع الله النقيضين ".. أصحاب النزعة الليبرالية أو العلمانية العرب بيننا عن علماء الدين هؤلاء، في خوائهم من انجازات ذات نفع جمعي أو في طرحها لمشروع نهضوي يعتد به.. بل اكتفوا باختراع "فن جلد الذات العربية"، أو أن يكونوا أدوات للنموذج الغربي تروّج منه للمسلمين كمثال لا لحصر ترويجهم السطحي التافه، ماذا يجب عليهم أن يرتدوا وماذا يجب عليهم أن يخلعوا!.. فكيف للأمة من بعدها أن تنهض من تحت هذه الظلمات التي بعضها فوق بعض؟!

عودة سريعة قبل الختام إلى عصر "النهضة الأوروبية" الذي قام على كوبي بيست (هل تعلم بأن الكوبي بيست احتاج الغربي عند اختراعه أن يعود لإرث الخوارزمي وينتقي منه خوارزمية صنعت له هذا الانجاز!) من الآثار العلمية الاسلامية.. انصح بقراءة الكتاب المثير "الدجل الثقافي – Impostures intellectuelles"، الذي تشارك في تأليفه كلاً من عالم الرياضيات البريطاني/ آلان سوكال (Alan Sokal)، والعالم الفيزيائي البلجيكي/ جاك بريكمون (Jacque Bricmont)، وكيف أنهما فضحا فيه رموز الثقافة الغربية وتعالمهم الواهم – أو الكوبي بيست! – فيما يدّعون من معرفة، وما ينحتون من مصطلحات ومفاهيم طنانة أو رنانة، إلا أنها خالية من كل معنى وقيمة.. بمعنى آخر بأن عصر النهضة الأوروبية "الكوبي بيست".. كان آخر العهد الأوروبي المعرفي الابداعي الحقيقي، أو بحسب مفهوم "فوكوياما" الرنان.. "نهاية التاريخ"!

ختاماً، رحم الله البروفيسور فؤاد سزكين، الذي أعاد الاعتبار علمياً ومنهجياً لأصحاب الحق من علماء المسلمين، عبر عملية تشبه ما يعرف ب "إعادة تحميل – Undo" ل "الكوبي بيست الأوروبي"، ليظهر الأصل العربي الاسلامي مجدداً في عمله الموسوعي الضخم "موسوعة تاريخ التراث العربي الاسلامي".

رحم الله هذه الشخصية الاسلامية –وأخلف علينا بمثلها - التي أثبتت بآثارها المخلّدة وانجازاتها.. بأن هناك انجازات أعظم من أن تسجل في "غينيس"، وأنبل من أن تفوز ب "نوبل"!