هو انفجار فضائي من نوع مختلف، لا نتحدث عن كوكب يصطدم بآخر أو مركبة فضاء تخرج عن مسارها، نحن نتحدث عن انفجار فضائي إعلامي عربي. الاصطدام هذه المرة بين الألاف من القنوات التلفزيونية، والمئات من المحللين السياسيين الذين اقتحموا منازل العباد تحت قصف مدافع الحروب، وحروب الفقر والمياه والأزمات المتوالية، بحيث فوجئ العباد بغزو فضائي في زمن التشرذم العربي لم يسبق له مثيل. بعد سنوات طويلة اعتادوا فيها على قنوات حكومية قليلة، ربما وحَّدتْهم فكريّاً بنسيج اجتماعي واحد مثلما يقول البعض، لكنهم أفقدتهم أيضاً بعض حقوقهم الاتصالية.

بالعربي الفصيح، يعيش المواطن العربي ازمه داخل ازمه لا تنتهي، وضجيج أجوف أبطاله خبراء واستراتيجيون في السياسة والحروب والأمن القومي، هكذا تقدمهم الفضائيات بافتخار وثقة لنا، لا دور لهم ألا صب الزيت على نار فوضى الحروب الميدانية والطائفية، بدلا من تقديم المعلومات المعرفية والواقعية للجمهور! هم تجار من نوع فضائي لهم أدوار محددة، ومهمات عسيرة في تبيض المواقف السياسية أو جعلها سوداء مثل ظلام الليل، تراهم يقفون صفوفا بانتظار إشارة الطلب، بعضهم يتنقل في أكثر من قناة، وله أكثر من رأي ووجه، منافق لا يهمه تقديم الحقيقة للعباد بقدر ما يدخل إلى جيبه الدولار.

وإذا أخذنا العراق نموذجا، فأننا سنرى العجب، مثل عجب ما يجري فيه، فقد شهد العراق الجديد تناسلَ الفضائيات بشكل لا مثيل له في الوطن العربي، مثلما شهد أيضاً تناسلاً لجيش من المحللين السياسيين والاستراتيجيين، وخبراء لشؤون العراق والشرق الأوسط والأدنى، كما شهد بالمقابل جيوشاً من الإعلاميين يقتحمون بجهلهم وطائفيتهم هذه الوسائل التي أشعلت حرائق الطائفية والكره بين أبناء الوطن الواحد. فقد شهد الإعلام العراقي بعد الاحتلال دخولَ تجار اللحوم والبسكويت والألبان للاستثمار في الإعلام لتحقيق غايات معروفة، مثلما دخلت العمليةَ السياسيةَ جحافلُ من السياسيين العراقيين الذين أجادوا في دول المهجر بيع الخضروات والمسابح وفن العمالة ضد أوطانهم.

إن العدد المتزايد للمحللين السياسيين باطّراد على شاشات الفضائيات العراقية، ظاهرةٌ تستحق الوقوف عندها، ولا سيما أن هؤلاء باتوا يساهمون اليوم في صياغة الرأي العام العراقي عبر ما يقدمونه من معلومات، أو حتى عبر ما يقومون به أحياناً من تسريب معلومات استخباراتية عن لقاءات وطبخات سياسية في الكواليس. وما يزيد الطين بلةً وخطورةً، هو أن العديد من هؤلاء يقدمون أنفسهم على أنهم محللون استراتيجيون من الطراز الرفيع ولديهم من المعارف والخبرات العسكرية ما يدفع بأرقى وأهم مراكز الأبحاث ومعاهد الدراسات الاستراتيجية في العالم للتواضع أمامهم، علما أن معظمهم لم يسبق له أن كتب حتى مقالاً واحداً بالشؤون الاستراتيجية، بل أن بعضهم كان صاحب محل للحلاقة وبيع الألبان واللحوم!

تتفق التعاريف الموضوعة للمحلل السياسي، على أنه يجب أن يكون قادراً على سبر أغوار الحدث السياسي، وعدم الوقوف عند ظواهره السطحية، والسعي إلى كشف بواطنه ومسبباته والتنبؤ بتداعياته المستقبلية، فيما الأغلب ممن يظهر على الفضائيات لا يمتلك القدر الكافي معرفيّا، لمهمة التحليل وإنما لمهمة التنجيم. هؤلاء الذين يسمونهم في الفضائيات (خبراء) و(استراتيجيين)، يتكاثرون بسرعة هائلة على الشاشات، يوزعون آراءهم العاجلة ويثوّرون مواقفَ ضد مواقفَ أخرى، يصرخون ويتقاذفون الشتائم، ويتبادلون تُهم الخيانة والارتهان للأجنبي أو العمل كأبواق لدى السلطة؛ دون أن نجد في كلامهم حكمة تنقذ العباد من وجع السياسة العراقية ومآسيها، وسلوك (صبيان) السياسة الجدد. لا يزال المحلل السياسي في العراق يركز على إثارة الرأي العام، كاشفاً عن الأحداث الاجتماعية والسياسية والثقافية، من دون البحث في الأسباب المباشرة، مع العجز عن فهم علاقتها الجدلية مع الزمان والمكان وحركة التاريخ، بل يسعى إلى تأويلها وفق الجهة المموِّلة له أو الحزب الذي ينتمي إليه، ليس أكثر. فائدته كما عبر عنه مواطن شعبي يشبه بطيخ ابيض لا طعم له!

ما يثير التندر أن الكثير من المحللين له أكثر من وجه، يغير جلده مثل ثعبان، فترى كلامه في الفضائيات الخليجية لا يشبه كلامه في الفضائيات العراقية، مرة يتحدث عراقيا ومرة إيرانيا أو أمريكيا، ولم تعد له هوية واضحة، هويته البحث عن المال الحرام، والظفر بمنصب في الرئاسات الثلاث أو في مؤسسات القوة والشهرة كما فعل الكثير من الإعلاميين والمحللين الذين يظهرون اليوم على الشاشات وهم يتبخترون مثل الطواويس بعد أن خدعوا العباد بالأمس بكلامهم المعسول. وصدق من قال عش رجبا ترى عجبا!

وهكذا تناسل الجهل في المؤسسات الإعلامية بشكل لا يوصف، وأصبحت هناك جمهرة من الأميين يقودون أخطر جهاز في الدولة، مثلما تناسل معهم بالفطرة عدد كبير من المحللين والاستراتيجيين والخبراء الذين كانوا لا يحلمون يوما برؤية ستوديو تلفزيوني وهؤلاء لا تنقصهم الأخلاق فقط، وإنما تنقصهم الكثير من المعارف والمهنية والمعايير الإعلامية الذي تجعله لا يفرق بين الخبر والرأي، والتحسين والتقبيح في تحليل الحدث، والتفريق بين النوايا الحسنة والأعمال السيئة، وكذلك معرفة الفرق بين التنبؤ والتخمين. لان المحلل السياسي هنا ليس بالضرورة موظفا في المؤسسة الإعلامية بل هو صاحب رأي، ويمتلك خلفية يتشكل من أدوات التحليل وقاعدة معلومات تمكنه من المتابعة وتعزيز مضمون التحليل. فالإعلام لم يعد مجالا محايدا بل هو جبهة صراع مفتوح بتقنيات ناعمة.

ومع الأسف لدينا اليوم صنف ردئ من المحلل السياسي، انه صنف المحلل المحتال الذي لا يهتم بالتوعية ولكنه معني باستثمار المتداول من الأفكار البسيطة والمتحيزة لمنحها الشرعية، والرقص على الحبال السياسية لأهداف أيديولوجية أو مالية، وهذا الصنف هو الذي تبحث عنه وسائل الإعلام لاستهلاكه لأنه غير مكلف ويؤمن شكلا من الضجيج النظري وتكريس الالتباس.

نقول أخيراً إذا كان لدينا هذا العدد الكبير من خبراء التحليل السياسي، فلِمَ لا يتحسنُ وضعنا السياسي، وهو وضع سيئ لا نجده في كل أوطان العالم؟! أم أن المنجمين الجدد اكتشفوا بجهلٍ أن إدارة الأزمات لا تقوم إلا على إدارة الأزمات بالأزمات، فالغيمة لا تمطر غباراً وكذلك سحابة الدخان لا يُنتظر منها الغيث؟ وبعيداً عن التهوين والتهويل لما يجري في الفضائيات العراقية، فإن هذا الاحتضار قد يفضي إلى قيامة فتنهض العنقاء من رمادها!