الأفكار تتعدد في عقول الناس، وكذلك تختلف من واحد إلى آخر، فليس لأحد أن يدعي بأن فكرته تتوافق مع فكرة أحد آخر حرفيا. كما أن التفكير هو الوحيد الذي يضل مكنوزا لا يستطيع أحد آخر بالأخبار عنه سوى صاحبه، بخلاف كثير من الأشياء الأخرى. فنستطيع أن نقول بأن الأفكار هي الجواهر الثمينة المخزنة في صناديق العقول، التي يصعب على الآخرين رؤيتها والتعرف عليها مادامت في تلك الخزينة. وما أن تخرج من مخزنها حتى تصبح في متناول الجميع وهذا ما يضيف لها بعض التحسينات التي قد تزيدها تألقا.

الأفكار تبقى أفكارا ما دامت مستقرة في العقول، فلا نستطيع أن نطلق عليها معارف لأنها مخزنة لا يستفاد منها، بخلاف إذا ما برزت فإنها حينها تصبح معارف يستفاد منها حينما تتلاقح مع أفكار أخرى.
الأفكار من حيث هي على نوعين هما:
المعارف العارضة وهي التي تكون مجرد تخمين عارض قد يزداد قليلا فيصبح شكا والذي يتميز بأنه يجعل صاحبه دائم التفكير، ومولدا للأسئلة التي تفتح له آفاقا وتجعله يطرح الاستنتاجات المختلفة حتى يصل إلى نتيجة مرضية.

وأما النوع الثاني فهي المعارف الحقة التي تتعلق بالغاية أو العلة. ويتميز هذا النوع عن النوع الأول بأنه يصل إلى نتيجة عميقة. مثال على ذلك هو أنه لو كانت المعرفة بوجود كليتين وقلب للحيوان، قد يكون صحيحا عند النوع الأول وقد لا يكون كذلك. لكن النوع الثاني من المعرفة والتي يطلق عليها الحقة تبحث عن الغاية أو العلة من وجود القلب والكليتين أو الوظيفة التي تعمل بها في جسم الحيوان.
في وقتنا الحاضر نحتاج إلى مفكرين يتميزون بالعمق في تفكيرهم، وبالمقابل فإن أؤلئك يحتاجون ان نتيح لهم فرصة طرح الأسئلة المعمقة. لأن السؤال هو بمثابة المفتاح الذي يفتح به العقول لإبراز العلوم والمعارف، والتي تكون في متناول الآخرين كذلك من خلال التأليف الحر.

كما أنه نحتاج إلى معارف حقة وهي التي تتصل بالغاية أو العلة من خلال فلسفة الأفكار وإعطاء معرفة عميقة.
الخلاصة هي أن الفكر يتألق عندما يخرج من العقول بحيث يصبح في متناول الآخرين .والأمر الآخر هو أنه لابد من إتاحة الفرصة له كاملة كي يزداد في العمق دون حواجز لكي تكون الأفكار التي ينتجها معارف ذات غايات سليمة.