قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

إن الفرق بين طريقة إستقبال السعودية لرئيس الوزراء العراقي الحالي مصطفى الكاظمي قبل أيام، وبين طريقة إستقبال إيران له قبل أشهر، لم يفاجئنا. فهو نفس الفرق، الذي سبق وأن تحدثنا عنه وشَخّصناه من قبل، بين إسقبال كل منهما للسيد عادل عبد المهدي، وقبله الدكتور حيدر العبادي، ولكن الإثنان لم يستغِّلا هذا الأمر ﻻ لمصلحتهما، وﻻ لمصلحة العراق، للتخلص من نفوذ وتغَوّل إيران وأتباعها في العراق، ومثلهما سيفعل الكاظمي على الأغلب، لأن القِط يحب خَنّاقه!

السعودية طبعاً لم تفعل ذلك لكون الكاظمي سياسي محنك يُعوّل عليه لإحداث تغيير في العراق، فهو على العكس من ذلك تماماً، ولا يملك الحَد الأدنى لمقوماته كاريزماتياً. ولا لأنه عُروبي يسعى لإعادة العراق الى حُضنه العربي، فهو كان ولا يزال خَيار أحزاب إيران وحشد مليشياتها، الذي ما نزال نتذكر كيف أهداه وألبسه قادته سِترتهم وفَضّلوه على عدنان الزرفي، يوم كانت هناك مفاضلة بينهما على رئاسة الوزارة بسبب عَداء الأخير المُعلن لإيران رغم أنه دعوجي سابق. وبدليل أن السعودية سَبق وأن إستقبلت كل من الدكتور حيدر العبادي الدَعوچي مرتين خلال سنوات حُكمه الأربعة، والسيد عادل عبد المهدي المَجلسي، الذي لم يُكمل سنوات حُكمه الأربعة أصلاً، بحَفاوة أكبر من الكاظمي، لأنها تعرف أوادمها، وتعلم بأن هؤﻻء الثلاثة، بغض النظر عن خلفيتهم السياسية، هم بالنتيجة عبد المأمور، ومن غَير طينة الدَعوچي الطائفي نوري المالكي، الذي رَفَضَت إستقباله عدة مرات خلال سنوات حُكمه الثمان العجاف، لأنها تعلم بأنه لم يكن عبد المأمور، بل ذراعه الإيمن وعَرّاب مليشياته في العراق.

إن السعودية، وجميع الدول العربية، حينما يستقبلون الساسة العراقيين، فإنهم يضعونهم على رأسهم كالعِقال، لأن للعراق وشعبه عندهم مكانة جليلة لا يعلى عليها، بحكم التأريخ والمشتركات. أما إيران فحينما تستقبلهم فإنها تضعهم تحت أقدامها كالمَداس، لأنها لا تعترف ببلدهم أساساً، بل تنظر إليه كولاية تابعة لها لطالما سعت الى إبتلاعها وضمها لإمبراطوريتها الفارسية، ساسانية كانت أو شاهنشاهية أو إسلامية، ولأنها تتعامل مع شعبهم بنظرة دونية وتعتبر أفراده وعشائره رعايا لها، بل وتضمر لهم الحقد لأن أجدادهم مَرّغوا أنف إمبراطوريتها في التراب في معركة القادسية، وتسعى للإنتقام منهم عبر إذلالهم وتمريغ أنفهم بالتراب برِضاهم عبر سلاح الطائفة. لكن البعض مع الأسف يحب ويَستلذ بأن يتم التعامل معه كمَداس على أن يتم التعامل معه كعِقال. وﻻ أقصد هنا الكاظمي فهو مسكين كسابقَيه ﻻ يحل وﻻ يربط ولا يستطيع أن يأمر شرطي لضبط الأمن، أو أن يُحَرِّك جندي لحماية حدود العراق المستباحة، أو حتى أن يضع طابوقة ليُعَمِّر بها خرابه، لأن إيران هي من تقرر مصير العراق والعراقيين، وحتى قراراتها وإمعاناً له في الإهانة، لا تأتيه منها مباشرة بل ترسلها إليه عن طريق وكلائها، وقد جيء به فقط كواجهة لسَد فراغ ولتمرير مرحلة بمخططاتها القذرة. كما ﻻ أقصد بالتأكيد العبادي أو عبد المهدي، لأني أقَدِّرهما وأعلم أن ما قاما به من أخطاء كان نتيجة لضغوط وتهديدات مليشيات إيران وغلمانها في العراق، كالمالكي وزعماء مليشيات الحشد، وهؤﻻء وأتباعهم وقواعدهم التي تحتضنهم وتدعَمهم هُم مَن أقصد بهذا الكلام والتوصيف، لأنهم لطالما كانوا سَبب مأساة العراق منذ عقود، بل ومنذ دهور، رغم محاوﻻتهم الدائمة للظهور بمَظهر الضحية وتحميل غيرهم هذه المسؤولية.

مَضت سنوات طويلة، ولا يزال العراق بمفترق الطرق الذي شخصته وأشرت إليه منذ 12 عاماً في مقال بعنوان "العراق بين الإبتلاع الإيراني والإحتضان العربي"، والذي نبهت فيه الى أن العراقيين بين خيارين، ليس أحلاهما مُر، بل أحلاهما حلو والآخر مُر. والحلو هو أن يعودوا الى حضنهم العربي الذي فتَح لهم ذراعه منذ البداية ولايزال وسيبقى، رغم كل ما يقابلونه مِن جحود، بل ومحاولات بعضهم قطع ذراعه الممدودة لهم! أما المُر فهو أن تبتلع إيران العراق بكل ما فيه، وهو ما يحدث منذ 2003، وما نعيشه اليوم هي مراحله الأخيره، بعد أن عَجَنه وطبخه لها غلمانها المحسوبين عليه، وجعلوه لقمة سائغة بدأت بمضغها وإبتلاعها شيئاً فشيئاً منذ سنوات بمساعدتهم ومساعدة داعش والقاعدة، ولم يبقى سوى أن تشرب فوقه ماءً لتبتلعه جيداً ثم تنظف أسنانها من بقاياه. وطبعاً بدلاً من أن يختار العراقيون الأحلى دون تفكير، كما دعوناهم حينها، نجدهم يُصِرّون على إختيار المُر وتذوقه، ظَنّاً منهم بأن في ذلك ثواب سيُدخلهم الجنة!

[email protected]