قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

لافرق بين الذي يدعو الى استحضار التراث لقيادة المجتمعات من جديد وبين الذي يدعو لنبش القبور واستخراج الجثث لقيادة المجتمعات ايضا. وهذا مايجعلني دائماً اتساءل :
هل استحضار التراث دليل على ان الذين عاشوا في الماضي مع الحمار والبعير يملكون عقولا تستطيع ان تفكر أفضل من الذين يعيشون الحاضر مع تويتر وقوقل والفيس بوك..؟! أم أن الانسان عندما يشعر بالفشل وعدم القدرة على منافسة الناجحين يلجأ الى الماضي كنوع من النكوص الحضاري الذي يجد فيه الفاشل حلاً تخديرياً يقنع النفس بالعزة الوهمية والفخر الخيالي دون أن ينقذها من ورطة العجز ؟!. وعندما تستيقظ تلك النفس من غيبوبتها تجد أن الفارق الحضاري قد اتسعت هوته وبعدت مسافته فتعود النفس الى نكوصها الحضاري مرة أخرى متمسكة بالماضي كالغريق المتمسك بالقشة .. فلا يزيده التمسك بذلك الماضي الا اقتراباً من حتمية الانقراض .

أما الذين يستحضرون المستقبل بإرادة الحياة ، بتخيلهم الأبعد والأعمق للقادم الأجمل ، فانهم حتماً يصلون باستمرار ويحققون احلامهم وطموحاتهم . وكلما اصبح مستقبلهم الذي حلموا به حاضرا حقيقياً ، لا تتوقف عقولهم عن صنع الخيال الأكثر تطوراً وجمالاً .. وهكذا تستمر حياتهم جميلة مفعمة بالنجاحات مهما كانت الصعاب تعترضهم .

أما القابعون في الماضي اولئك الذين تقيدهم سلاسل ذلك الماضي وأغلاله ، الذين يؤجرون عقولهم على مر العصور لكل مشعوذ ودجال ، فانهم لايتعلمون من التجارب رغم كثرة اخفاقاتهم وهزائمهم .لأنهم عندما أجروا عقولهم تركوها مرهونة بمفاتيحها في أيدي أولئك المشعوذين والدجالين والجلادين مقابل أن تكون الجنة الموعودة نصيبهم في الآخرة ... فخسروا الدنيا والآخرة . وعاشوا حياتهم كارهين لكل شيء جميل منحه الله لهم ، وأستعدوا كل شيء يجعلهم عشاق حياة وجمال وحرية .

إن مستحضر التراث لا يمنح عقله المؤجر والمرهون فرصة كي يفكر قليلاً ويسأل نفسه سؤلاً بديهياً : هل ذلك القائد الملهم في تراثه القديم قادر على قيادة العصر الجديد بنفس السيف والرمح والحصان والحمار والبعير ،
ليواجه طائرة الشبح وصاروخ ارض جو وارض ارض .. وأشعة الليزر ؟!

وهل ذلك الطبيب القديم الذي يعالج الكسور بأعواد الخشب ، والطبيب الذي يعالج الأمراض بالمياه المقروء عليها قادران على علاج امراض السكر والقلب والضغط وبقية الأمراض المزمنة ؟!

هل ذلك التراث القديم بحميره وخيوله قادر على نقل الناس من الشرق الى الغرب بعد ان اصبح العالم قرية واحدة تربطه القطارات والسيارات والطائرات؟

وهل هناك حمار طائر قادر على التحليق في الفضاء ساعات لحمل ركابة... او هناك بعير ( سفينة الصحراء) قادر على قهر المحيطات ونقل ركابه من المحيط الهندي الى المحيط الهاديء... او على الاقل من احدى ضفتي خليج العقبة الى الضفة الاخرى؟

هل يعتقد مستحضر التراث انه يستحضر الجن .. في غرفة مظلمة مع قليل من البخور المحترق وبعض خرافة كي يستحضر جده بحماره ليقود العصر الحديث ، ولكي يقنعنا بأفكاره القديمة التي جعلته يخترع ركوب الحمار والحصان والبعير ؟!

هل يريد منا مستحضر التراث أن نقرأ القصص القديمة التي تخيلها العقل القديم الذي لايتعدى خياله أبعد من أمتار ليس فيها مايثير الخيال بينما نحن نعيش عصراً يصل فيه خيال الطفل الى اعماق المحيطات البعيدة واطراف الكرة الأرضية ويحلق بعيدا بين تضاريس المريخ على الهواء مباشرة ؟!

أيرادُ لنا أن نقبع في سرادق الماضي كيلا نستحضر المستقبل ... لنحتفل العمر كله بالموت ويحتفل غيرنا بالحياة؟!
[email protected]