يظل الإنسان بين كلّ المخلوقات كائنًا روحيًّا لا يمتاز بغير روحه العاقلة،ووعيه الذي يرقى به إلى مدارج الكمال،أو يهوي به مهاوي النقص.
ومن مأثور الكلام عند كل الشعوب رغم اختلاف مشاربهم وأعراقهم قولهم:
«الإنسان لا لحمه يؤكل، ولا جلده يُلبَس، فماذا فيه غير حلاوة اللسان؟!»

حقًّا لا شيء يَجذب في الإنسان مِثلُ حسن تعامله مع نفسه وأخيه الإنسان.. رتبة عالية جداً أن تحافظ على الإنسانية التي شاءها الله لك، وخلقها فيك، وقدرة خارقة أن تحافظ على إنسانيتك في عالم يموج بالتناقضات والمصالح والعجائب!

وكما أكرمك الله بهذه الإنسانية الراقية أكرمك بدينٍ حنيفٍ يؤكد فيك معاني الجلال،ويدعوك إلى السمو،ويزيدك علوًّا.
اختار الله عز وجل لدينه الحنيف نبيًّا باهر الصفات قادرًا على التأثير في الناس بحسن أخلاقه،ولذا قال عنه تعالى:
{وإنك لَعلى خُلُقٍ عظيم}
فإذا سما القدوة سما إليه المقتدون.

وها هو القرآن الكريم يحفل بآيات بينات في مكارم الأخلاق، قال تعالى:
{خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين}
{إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر}
{ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق}
وقال عزّ وجلّ:

{إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل}
{يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا}
قد تبدو آدابًا عامّة تعرفها الأمم، لكن تدوينها تكرارًا في القرآن الكريم بالغ الدلالة …
إذ مع تفاوت القيِم وانتكاس بعض المفاهيم، وانحراف البوصلة الأخلاقية التي ما عاد يُدرَى فيها الصواب من الخطأ، والحسن من الأحسن، جاء القرآن الكريم بأمثال هذه المعايير في هيئة بوصلة دقيقة توجه الناس للوجهة الصحيحة مهما تغيّر الإنسان، وتعاقبَت الأزمان.
لقد أدبنا القرآن الكريم قولًا وفعلًا ونسكًا وعبادةً وحياة، إذ لم يدع فضيلةً إلا وأرشدنا إليها، وأعظمَ عليها الأجر والثواب؛ ترغيبًا بها، واصطفاءً لأهلها،
ولم يترك نقيصةً إلا وأمرنا بالابتعاد عنها، وعن أهلها، وبيّن حجم الخطايا التي ستحملها كواهل من يقترفها.
وإن أعظم الأخلاق كامن حدّ اللسان؛ فاللفظ الحسن والمنطق اللين، والكلام النافع، كلها نعم سماوية لا تكون إلا في خيرة الناس.
الخيرات والبركات كلها في الرفق بالناس، والصبر على إساءاتهم، والترفع عن الهبوط إلى الدرك الأسفل من الأخلاق.
من جاءك معتذرًا عن إساءة فمد له بساط الإكرام،وانثر عليه أزاهير العفو،وامحُ معه إساءته،واطويَا معًا صفحة الماضي بإحسان.
ومما ينسب للشافعي رحمه الله:

قيلَ لي:قد جَنَى عليك فلانٌ
ومُقامُ الفتى على الذلِّ عارُ
قلتُ:قد جاءني وأَحدَثَ عُذراً
دِيَةُ الذَّنْبِ عِندَنا الاعتذارُ
لا تدع باباً للشيطان يدلف إليك منه مناديبه، وانتقِ أرقّ الألفاظ حتى مع من غمزوك بقاسيها، وتفنن في اختيار كلماتك الحسناء كما يتفننون في اختيار كلماتهم الشوهاء، وإن أسيء فهمك فلا تغضب وتذكر مهمة الشيطان وأنت تتلو {إن الشيطان ينزغ بينهم}.
قال الإمام الشعراوي في تفسير هذه الآية {وقل لِعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم}: أوضحنا الفرق بين عبيد وعباد، وأنهما جمع عبد، لكن عبيد تدل على من خضع لسيّده في الأمور القهرية، وتمرَّد عليه في الأمور الاختيارية،

ويواصل الإمام الشعراوي رحمه الله القول:

أما عباد فتدلّ على من خضع لسيده في كل أموره القهرية والاختيارية، وفضّل مُراد الله على مُراده، وعنهم قال تعالى: {وعبادُ الرحمن الذين يمشون على الأرض هَوْناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما}.
أدب قرآني جليل في المعاملات وكشف لما قد يعتري بعض النفوس من التأويل والتلاعب بالألفاظ وما تشابه من معانٍ …
هنا الحديث عن أرباب الصيد في المياه العكرة، المقتاتين على ما تشابه من شكلٍ ولونٍ وطعم، هواة النزغ بين الأحبة والصحاب، الذين يسوؤهم صفاء الناس وتصالحهم، ويفرحون ويُسرّون بكل شحناءٍ تقع بين شخصين.
لا يخلو من أمثالهم مكان ولا زمان، فهم مطايا الشيطان، ومن خلالهم يؤجج نيرانه بين البشر، يحقق وعده بإغوائهم.
إنهم موجودون بيننا.. قريبون منا، نعرفهم بسيماهم المحفورة في وجوههم من أثر الكيد، وتفصح عنهم المواقف، وتفضحهم فَلَتَات الألسنة.
إنك في مأمن منهم ما دمت في أمان من نفسك.. متحصنًا بعناية الله، باذلًا جهدك في الحفاظ على إنسانيتك التي أودعها الله فيك، ونزعها من أشباه الشياطين.
قفلة:
شاءك الله قويًّا عليّا، فآتاك عقلًا مضيئا، وخُلقًا وضيئا، وسخر لك الكائنات،فكن في قِمّتك، ولا يجذبنك للسفول قابعون فيه، وإن شق عليك النهوض بهم؛واصل صعودك، وشيئًا فشيئًا سيتضاءلون لناظريك، ولن ترى لهم وجودا، ولن يَبْلُغك ما يقولون، ولا ما يرمونك به.