قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

في معظم الأزمنة، كان الشارع هو الخيار الأول لمعرفة الصبغة الحضارية للمجتمع والمدينة والدولة. بقي من هذه الحضارات القليل حينما نذهب للحارات القديمة والقرى المتشبثة بالتراث والهجر النائية. يتجول الحالمون بالتراث لمعرفة أسرار الحضارات وظواهر الآباء والأجداد، ومئآثر الشعوب والملوك من خلال ذهابهم إلى الأماكن القديمة التي تجاهد نفسها ضد غزو الحياة المترفة وطرائق العمران الجديدة التي تحاول نهب محتواها الثقافي والعمراني والتاريخي. يذهب هؤلاء الحالمون إلى أزقة مصر القديمة فيعودوا بالزمن إلى مئتي عام على الأقل، وإلى شقوقٍ وطرق مرصوفة بالطوب في أوربا ليعودوا إلى مئات السنين، وإلى العلا والجيزة وتدمر وبابل ودمشق وروما وغيرها لرؤية آلاف السنين إلى الوراء. لم يكن هذا الحدس الإنساني النبيل محض الصدفة، فالإنسان بصفته المتجذرة في التراب لم يجرؤ على تخريب المناطق الأثرية منذ الأزل، ولم يُكتب له طمس آثاره السابقة، بل تعدى ذلك إلى المتاجرة بها عبر تهريب الآثار أو تسويقها بوصفها كنزا ملموسا لا يعوض. ولعل ذاكرة الإنسان المنتشية بهذا التراث تعود لتلك الملايين من الموتى الذين احتضنتهم الأرض بترابها منذ آلاف السنين فهم فيها ينبضون بالذكرى ويشدوننا إليها، لكن ما إن ينسى الإنسان الجديد ذلك حتى تعاوده فكرة التطور والمستقبل فينفر بعيدا نحو المواد الصلبة والاسمنت والحديد ليتزين بما هو ليس من طبيعته الحضارية.

لقد عاش الناس منذ الازل في كوخ أو خيمة أو بناء حجري، لا يستمدون من سواها ما لا يعكس أسلافهم السابقة، فكانوا يرون في أنفسهم ضعفا وفي الأرض قوة، وهم تبعا والأرض قدوة تملي عليهم ما يعملون إذا أرادوا الحياة، فلهم توقيت محدد للزرع والسقي والحصاد، ورؤية معينة لتتبع المطر والماء، وسبيل محفوف بالبؤس في حماية ممتلكاتهم وأراضيهم، وهي وظيفة العام التي ما إن أخل بها الإنسان حتى لا يجد خراجا يسد جوعه وذويه، وربما هاجر مخاطرا بكل شيء بحثا عن الماء والطعام، وقليل منهم ربما طور حيلة للبقاء.

ومع هذا التاريخ الطويل الذي انصاع فيه الإنسان لأرضه، فقد احتاج لآلاف السنين على الأقل ليعلن تمرده بإطلاق الثورة الصناعية قبل ما يربو على ثلاثمئة عام! حيث حمل العقل الأوربي تحديدا على عاتقه نسخة جديدة للإنسان القادم، فاخترع أوجه الحضارة الميكانيكية الحديثة، وأسس صناعاتها ومفهومها، وحملت نسخته للعالم الجديد الآلة وعلم الذرة وقوانين الكم والجاذبية وصولا إلى الصناعات التابعة مثل الماكينة والكهرباء والهاتف والتبريد والأشعة والتفجير وغيرها المئات بما يسمح لبناء عالم جديد يسود فيه العقل والمادة والابتكار والمال مجتمعين، وهذه الأربع تباعًا هي مقومات ما أستطيع تسميتها بالأمم القائدة, فإذا فقدت الابتكار أو المادة أو المال فستكون تابعة، وإذا فقدت المال والمادة فستكون مهاجرة، أما إذا فقدت العقل وهو المدبر لكل هذه المكونات فستكون متخلفة، وهو منطلق ربما يوصلنا إلى تقييم منطقي مجرب بدأ بحلول القرن العشرين حيث كانت بريطانيا في أوج تربعها على هذه المقومات، ثم ما إن فقدت المال بعد نهاية الحرب العالمية الثانية حتى صارت تابعة وانتزعت منها الولايات المتحدة هذا الدور فباتت تملك العقل والمادة والابتكار والمال.

وعلى الرغم من صراع الحضارات الناشئة في واقعنا الحالي بين الأقطاب السياسية العظمى التي تمثل طورًا تاريخيا محصورا منذ القرن التاسع عشر إلا أنه لا يعدو كونه جزءا صغيرا من صراع الإنسان حول حضارته البشرية الكبرى مثل صراعاته الشعوبية والدينية والفلسفية.

وفي ظل هذا العالم الجديد الذي بدأ قبل ما يقرب من 300 عام، فربما لم يطرأ على بال الكثير حظوظه العظيمة بكونه يعيش في زمن الإنسان الجديد الذي تهيأت له كل مترفات الزمان وبشكل لم يشاهده الإنسان ربما على مر التاريخ. ومع ذلك، فإن الأجيال التي عاصرت مشاهد الحياة القديمة منذ عام 1800 وحتى يومنا هذا هي أجيال خاصة شاهدت ولا تزال تشاهد نفسها يوما بعد يوم وهي متأرجحة بين ثورة صناعية ثم رقمية وصولا إلى ثورة الذكاء الاصطناعي. وهذه الأجيال هي نفسها التي لا تزال قريبة من الحياة القديمة فما إن يخرج الإنسان بسيارته عن مسار الطريق المعبد حتى يصطدم بحضارة الأجداد، وبأناس ربما لا يزالون يمارسون تلك الحياة البدائية الكريمة والشاقة. ومن هنا فلعل أجيالنا الحاضرة والقليلة المقبلة لديها اغتراب حضاري يكمن في سلوك نوعي وهو عيشنا بين تقدير الماضي القريب الذي شاهدناه في أجدادنا وبين واقعنا الجديد الذي تغير بشكل كامل. هذا السلوك المتأرجح ربما لن تعشيه أجيال مقبلة يتمثل التراث لديها على شكل متاحف فاخرة هي نفسها جزء من العالم الجديد حيث تمتلئ بعروض تراثية تقوم على التقنية. وعل كل، فوجودنا كأجيال خاصة تعيش في هذا العالم الجديد الذي مر عليه قرابة 300 عام لا يعني امتداحا بالضرورة، فهي ميزة تحمل بين طياتها سلبيات تعيق إنسانيتنا، وإيجابيات جوّدت حياتنا، لكن الأهم، هو عن مدى استعدادنا لتلقي صدمات هذا العصر، مثلما كان استعدادنا لتقبل محاسنه.